محمد جمال الدين القاسمي
193
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بلادها حَيْثُ يَشاءُ وذلك أنه عليه السلام لما ولّاه النظر على خزائن مصر ، تجوّل في قطرها ، وطاف قراها ، والأمر أمره ، والإشارة إشارته ، عناية منه تعالى ورحمة ، كما قال : نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي الذين أحسنوا عملا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 57 ] وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ أي ثوابها خير من ثوب الدنيا للمؤمنين المتقين . إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة ، وأن ما يدخر لهؤلاء هو أعظم وأجل مما يخولون به في الدنيا من التمكين في الأرض والجاه والثروة والملك . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 58 ] وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ إشارة إلى ما وقع من مصداق رؤيا يوسف . وذلك أن الأرض أخصبت سبع سنين ، وأخرجت من بركاتها ما يعادل رمل البحر كثرة ، فجمع يوسف غلالها ، وجعل في كل مدينة غلال ما حولها من الحقول ، ولما مضت هذه السبع ، دخلت السنون المجدبة ، فعمّ القحط مصر والشام ونواحيهما ، فأخذ الناس ، من سائر البلاد ، في المسير إلى مصر ليمتاروا منها ، لأنفسهم وعيالهم ، لما علموا من وجود القوت فيها . وكان من جملة من سار للميرة إخوة يوسف ، عن أمر أبيهم يعقوب ، لتناول القحط بلادهم - فلسطين - فركبوا عشرة نفر ، واحتبس يعقوب عنده ابنه بنيامين ، شقيق يوسف ، خشية أن يلحقه سوء ، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف . فلما هبطوا مصر ، دخلوا على يوسف ، ولم يعرفوه لطول العهد ، ومفارقته إياهم في سن الحداثة ، وعدم استشعارهم في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه ، وأما هو فعرفهم . روي أنهم لما دخلوا عليه سجدوا له بوجوههم إلى الأرض ، تحية له فشرع يخاطبهم متنكرا لهم ، وقال : من أين قدمتم ؟ قالوا : من أرض كنعان ، لنبتاع طعاما . فقال لهم : أنتم جواسيس ، إنما جئتم لتجسوا ثغور الأرض ! قالوا : معاذ اللّه ! ما جاء عبيدك إلا للميرة ، لأن الجهد أصابنا ، ونحن إخوة ، بنو أب واحد . قال : كم أنتم ؟ قالوا : كنا اثني عشر ، هلك منا واحد . قال : فكم أنتم هاهنا ؟ قالوا : عشرة . قال : فأين الأخ الحادي عشر ؟ قالوا : هو عند أبيه يتسلى به من الهالك . قال : لا بد من امتحان صدق كلامكم ، فليبق واحد منكم