محمد جمال الدين القاسمي

191

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

السلام لما لم يخش للنوائب وعيدا ولا للتجارب تهديدا . ولم يخف للسجن ظلما وشرّا ولا للتنكيل به ألما وضرا ، بل ألقى توكله على الرب ، وصبر إزاء تلك البلية ثابت القلب - نال بطهارته وتقواه تاج الفخر ولسان الصدق طول أيام الدهر . وها إن فضيلته لم يعف جميل ذكراها مرور الأيام ، ولم يعبث بنضارتها كرور الأعوام ، بل ادخرت لنا مثالا نقتفي أثره عند طروء التجارب ، وملاذا نعوذ به في المحن والمصائب ، ومقتدى نتدرب به على التثبت في مواقف العثار ، وننهج منهاجه في التقوى وطيب الإزار . فننال في الدنيا سمة المجد ، ونفوز في الآخرة بدار الخلد . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 55 ] قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) قالَ أي يوسف للملك اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي ولّني خزائن أرضك . يعني جميع الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها ، فيتصرف لهم على الوجه الأرشد والأصلح ، ثم بين اقتداره في ذلك فقال : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ أي أمين أحفظ ما تستحفظنيه ، عالم بوجوه التصرف فيه . قال الزمخشري : وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هم طلبة الملوك ممن يولونه . وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى ، وإقامة الحق ، وبسط العدل . والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلب التولية ابتغاء وجه اللّه ، لا لحب الملك والدنيا . فإن قلت : كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر ، ويكون تبعا له ، وتحت أمره وطاعته ؟ قلت : روى مجاهد أنه كان قد أسلم . وعن قتادة هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائز . وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه . وإذا علم النبيّ أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر اللّه ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق ، فله أن يستظهر به . وقيل : كان الملك يصدر عن رأيه ، ولا يعترض عليه في كل ما رأى ، فكان في حكم التابع له والمطيع . انتهى .