محمد جمال الدين القاسمي

190

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه ، وكان من الجاهلين ، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه ، وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة . انتهى كلام ابن القيم . ثم أشار تعالى إلى ما امتنّ به على يوسف من رفع قدره بصبره ، وإعلاء منزلته برحمته بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 54 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي أخصه بها ، دون العزيز ، جريا على عادة الملوك من الاستئثار بالنفيس العزيز . قال ذلك لما تحقق براءته مما نسب إليه ، وكرم نفسه ، وسعة علمه فَلَمَّا كَلَّمَهُ أي فلما أتوا به ، وكلمه ، أي خاطبه الملك وعرفه ، وشاهد فضله وحكمته وبراءته - وجوّز أن يكون فاعل ( كلّمه ) يوسف عليه السلام - قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أي ذو مكانة ومنزل ؛ أَمِينٌ أي مؤتمن على كل شيء . روي أن يوسف عليه السلام لما حضر الملك ، وعبّر له رؤياه ابتهج بحديثه هو وخاصته ، وقال لهم : هل نجد مثله رجلا مهبطا للإمداد الربانيّ ؟ وقال ليوسف : بعد أن عرّفك اللّه هذا فلا يكون حكيم مثلك ، وأنت على بيتي ، وإلى كلمتك تنقاد رعيتي ، ولا أكون أعظم منك إلا بعرشي ، وقد أقمتك على جميع أرض مصر . ونزع خاتمه من يده ، ووضعه في إصبعه ، وألبسه ثياب بزّ ، وجعل طوقا من ذهب في عنقه وأركبه مركبته ، وأمر أن يطاف به في شوارع مصر ، وينادى أمامه بالخضوع له ، وقال له الملك : لا يمضي أمر ، ولا ينفذ شأن في مصر إلا برأيك ومشورتك ، وسماه مخلص العالم ، وزوّجه بنت أحد العظماء لديه . وكان يوسف وقتئذ ابن ثلاثين سنة - واللّه أعلم - . قال بعضهم : إن من أمعن النظر في قصة يوسف عليه السلام ، علم يقينا أن التقي الأمين لا يضيع اللّه سعيه ، بل يحسن عاقبته ، ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة ، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى حدثان الدهر وتجاربه ، ولا يخاف صروفه ونوائبه ، فإن اللّه يعضده وينجح مسعاه ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار فإن يوسف عليه