محمد جمال الدين القاسمي

186

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ أي قبيح . بالغن في نفي جنسه عنه بالتنكير ، وزيادة ( من ) قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ثبت واستقر وظهر بعد خفائه . أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي في قوله : هي راودتني عن نفسي . قال الزمخشري : ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة ، والنزاهة ، واعترافهن على أنفسهن ، بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به ، لأنهن خصومه . وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق ، وهو على الباطل ، لم يبق لأحد مقال . انتهى - . والفضل ما شهدت به الأعداء القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 52 ] ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) ذلِكَ تقول امرأة العزيز : ذلك الذي اعترفت به على نفسي لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة ، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه ، أو ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ، ولا وقع المحذور الأكبر ، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع ، فاعترفت ليعلم أني بريئة . وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا يرضاه ولا يسدّده . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 53 ] وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ تريد : وما أبرئ نفسي مع ذلك ، فإن النفس تتحدث وتتمنى ، ولهذا راودته . أو تعني : أني ما أبرئ نفسي من الخيانة ، فإني قد خنته حين قرفته وقلت : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ ؟ وأودعته السجن . تريد الاعتذار مما كان منها أن كل نفس لأمارة بالسوء ، إلا نفسا رحمها اللّه بالعصمة ، كنفس يوسف . ثم إن تأويل قوله تعالى : ذلِكَ لِيَعْلَمَ . . . الآية - على أنه حكاية قول امرأة العزيز - قال ابن كثير : هو القول الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ، ومعاني الكلام . وقد حكاه الماورديّ في تفسيره ، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية