محمد جمال الدين القاسمي
187
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
رحمه اللّه ، فأفرده بتصنيف على حدة . وقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف ، ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سواه والمعنى : ذلك التثبت والتأني والتشمر لظهور البراءة ، ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب في أهله ، أو ليعلم اللّه أني لم أخنه ، لأن المعصية خيانة . ثم أكد أمانته بقوله : وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وأنه لو كان خائنا لما هدى اللّه عز وجل أمره ، أي : سدده وأحسن عاقبته ، وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته ، وبالعزيز في خيانة أمانة اللّه تعالى ، حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه ، ثم أراد أن يتواضع للّه ، ويهضم نفسه ، لئلا يكون لها مزكيا ، وبحالها في الأمانة معجبا ومفتخرا ، وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده ، وإنما هو بتوفيق اللّه ولطفه وعصمته فقال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي أي لا أنزهها من الزلل ، ولا أشهد لها بالبراءة الكلية ، ولا أزكيها ، فإن النفس البشرية تأمر بالسوء ، وتحمل عليه بما فيها من الشهوات ، إلا ما رحم اللّه من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المساوئ . هذا خلاصة ما قرروه على أنه كلام يوسف . قال ابن كثير : والقول الأول أقوى وأظهر لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك - واللّه أعلم - . لطائف : الأولى - محل قوله : ( بالغيب ) الحال من الفاعل أو المفعول ، على معنى - وأنا غائب أو غائبة عنه ، أو وهو غائب عني خفيّ عن عيني ، أو هو ظرف ، أي بمكان الغيب ، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب . الثانية - قيل : معنى لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي : لا يهديهم بسبب كيدهم ، أوقعت الهداية المنفية على الكيد ، وهي واقعة عليهم تجوزا ، للمبالغة ، لأنه إذا لم يهد السبب ، علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى . وقيل : المعنى لا يهديهم في كيدهم ، كقوله تعالى : يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ التوبة : 30 ] ، أي في قولهم . وقيل : هداية الكيد مجاز عن تنفيذه وتسديده . الثالثة - قال في ( الإكليل ) : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي أصل في التواضع ، وكسر النفس وهضمها .