محمد جمال الدين القاسمي

185

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و قد روي في المسند والصحيحين « 1 » مختصرا عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي - مدحه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على هذه الأناة ، كان في طيّ هذه المدحة بالأناة والتثبت تنزيهه وتبرئته مما لعله يسبق إلى الوهم أنه همّ بامرأة العزيز همّا يؤاخذ به ، لأنه إذا صبر وتثبت فيما له ألا يصبر فيه ، وهو الخروج من السجن ، مع أن الدواعي متوافرة على الخروج منه ، فلأن يصبر فيما عليه أن يصبر فيه من الهم ، أولى وأجدر - أفاده الناصر . قال أبو السعود : وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز ، مع ما لقي منها ما لقي ، من مقاساة الأحزان ، محافظة على مواجب الحقوق ، واحترازا عن مكرها ، حيث اعتقدها مقيمة في عدوة العداوة ، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ، ولم يصرح بمراودتهن له ، وقولهن ( أطع مولاتك ) واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله : إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ يعني ما كدنه به ، وفي إضافة علمه إلى اللّه إشارة إلى عظمه ، وأن كنهه غير مأمول الوصول إليه ، لكن ما لا يدرك كله ، لا يترك كله . وفيه تشويق وبعث على معرفته ، فهو تتميم لقوله : ( اسأل ) ، ودلالة على أنه برئ مما قرف به للاستشهاد بعلمه تعالى عليه ، وفيه الوعيد لهن على كيدهن ، وأنه تعالى مجاز عليه ، وقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 51 ] قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ استئناف مبني على السؤال ، كأنه قيل : فماذا كان بعد ذلك ؟ فقيل : قال الملك : ما خطبكن - أي شأنكن - إذ راودتن يوسف يوم الضيافة ؟ يعني : هل وجدتن منه ميلا إليكن ؟

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 326 . وأخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 11 - باب قوله عز وجل : وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ، حديث رقم 1593 . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 238 .