محمد جمال الدين القاسمي
168
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يحذر منه ، ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام ، والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه . وجواب ( لولا ) محذوف ، يدل عليه الكلام . أي : لولا مشاهدة برهان ربه في شأن الزنى لجرى على موجب ميله الجبّلي ، ولكن حيث كان مشاهدا له من قبل ، استمر على ما هو عليه من قضية البرهان ، وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه عليه السلام ، لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة ، بل لمحض العفة والنزاهة ، مع وفور الدواعي الداخلية ، وترتيب المقدمات الخارجية ، الموجبة لظهور الأحكام الطبيعية . انتهى . فاتضح أن لا شبهة فيها على عصمة يوسف عليه السلام ، فإن الأنبياء ليسوا بمعصومين من حديث النفس ، وخواطر الشهوة الجبلّية ، ولكنهم معصومون من طاعتها ، والانقياد إليها ، ولو لم توجد عندهم دواع جبلّية ، لكانوا إما ملائكة أو عالما آخر . ولما كانوا مأجورين على ترك المناهي ، لأنهم يكونون مقهورين على تركها طبعا ، والعنّين لا يؤجر ويثاب على ترك الزنى ؛ لأن الأجر لا يكون إلا على عمل ، والترك بغير داعية ليس عملا ، وأما الترك مع الداعية ، فهو كف النفس عما تتشوف إليه ، فهو عمل نفسي . وحقيقة عصمة الأنبياء هي نزاهتهم ، وبعدهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات التي بعثوا لتزكية الناس منها ، لئلا يكونوا قدوة سيئة ، مفسدين للأخلاق والآداب ، وحجة للسفهاء على انتهاك حرمات الشرائع ، وليس معناها أنهم آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الطبع البشري . هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات ، ما تلقفوه من أهل الكتب ، ومن المتصولحين ، من تلك الأقاصيص المختلقة على يوسف عليه السلام ، في همه ، التي أنزه تأليفي عن نقلها ، بردّها ، وكلها - كما قال العلامة أبو السعود - خرافات وأباطيل ، تمجها الآذان ، وتردها العقول والأذهان ، ويل لمن لاكها ولفّقها ، أو سمعها وصدقها . وسبقه الزمخشري ، فجوّد الكلام في ردها ، فلينظر ، فإنه مما يسر الواقف عليه . و ( السوء ) : المنكر والفجور والمكروه . ( والفحشاء ) : ما تناهى قبحه . قال أبو السعود : وفي قوله تعالى لِنَصْرِفَ عَنْهُ . . . إلخ آية بينة ، وحجة قاطعة على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقع منه همّ بالمعصية ، ولا توجه إليها قط ، وإلا لقيل : لنصرفه عن السوء والفحشاء . وإنما توجه إليه ذلك من خارج ، فصرفه اللّه تعالى بما فيه من موجبات العفة والعصمة . فتأمل .