محمد جمال الدين القاسمي

155

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 9 ] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً من مقول قولهم المحكيّ قبل ، وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم ، ويروى أنه قصه عليهم ، فتشاوروا في كيده ، وقالوا ذلك ، وقالوا : لنرى بعد ما يكون من أحلامه ، سخرية واستهزاء . وتنكير ( أرضا ) وإخلاؤها من الوصف ، للإبهام ، أي في أرض مجهولة ، لا يعرفها الأب ، ولا يمكن ليوسف أن يعرف طريق الوصول إليه . وقوله : يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ جواب الأمر ، كناية عن خلوص محبته لهم ، لأنه بدل على إقباله عليهم بكليته ، وعلى فراغه عن الشغل بيوسف ، فيشتغل بهم . وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد الفراغ من قتله أو طرحه قَوْماً صالِحِينَ أي تائبين إلى اللّه عما جنيتم ، فيكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه . أو تصلح دنياكم ، وتنتظم أموركم بعده بخلوّ وجه أبيكم . تنبيهات : الأول : قال ابن إسحاق : لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم ، وعقوق الوالد ، وقلة الرأفة بالصغير ، الذي لا ذنب له ، وبالكبير الفاني ، ذي الحق والحرمة والفضل ، والده ، ليفرقوا بينه وبين ابنه على صغر سنه ، وحاجته إلى لطف والده ، وسكونه إليه . يغفر اللّه لهم ! . الثاني - قال ابن كثير : اعلم أنه لم يقم دليل على نبوّة إخوة يوسف : وظاهر السياق يدل على خلاف ذلك . ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك ، وفي هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل . ولم يذكروا سوى قوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ [ البقرة : 136 ] ، وهذا فيه احتمال ، لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط ، كما يقال للعرب قبائل . وللعجم شعوب . يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل ، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون ، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف . ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم . واللّه أعلم .