محمد جمال الدين القاسمي
152
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المبشرات فقال « 1 » : ( لم يبق من النبوة إلا المبشرات ) ! قالوا : وما المبشرات يا رسول اللّه ! قال ( الرؤيا الصالحة ، يراها الرجل الصالح ، أو ترى له ) . وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم ، فعلى ما أصفها لك : وذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيوانيّ الجسمانيّ ، وهو بخار لطيف ، مركزه بالتجويف الأيسر من القلب - على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره - وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة ، وسائر الأفعال البدنية ، ويرتفع لطيفه إلى الدماغ ، فيعدل من برده ، وتتم أفعال القوى التي في بطونه . فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري ، وهي متعلقة به ، لما اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف . ولمّا لطف هذا الروح الحيوانيّ من بين المواد البدنية ، صار محلّا لآثار الذات المباينة له في جسمانيته ، وهي النفس الناطقة ، وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته . وقد كنا قدّمنا أن إدراكها على نوعين : إدراك بالظاهر وهو بالحواس الخمس ، وإدراك بالباطن وهو بالقوى الدماغية . وأن هذا الإدراك كله صرف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية ، التي هي مستعدة له بالفطرة . ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية ، كانت معرضة للوسن والفشل ، بما يدركها من التعب والكلال ، وتغشى الروح بكثرة التصرف ، فخلق اللّه لها طلب الاستجمام ، لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة . وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيوانيّ من الحواس الظاهرة كلها ، ورجوعه إلى الحس الباطن . ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل ، فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن ، وتذهب من ظاهره إلى باطنه ، فتكون مشيعة مركبها ، وهو الروح الحيوانيّ ، إلى الباطن . ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل . فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ، ورجع إلى القوى الباطنة ، وخفّت عن النفس شواغل الحس وموانعه ، ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة ، تمثل منها بالتركيب والتحليل صورة خيالية وأكثر ما تكون معتادة ، لأنها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريبا . ثم ينزلها الحس المشترك ، الذي هو جامع الحواس الظاهرة ، فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة . وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية ، مع منازعتها القوى الباطنية ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التعبير ، باب المبشرات ، حديث 2541 .