محمد جمال الدين القاسمي
153
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فتدرك بإدراكها الروحاني لأنها مفطورة عليه . وتقتبس من صور الأشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ ، ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة ، فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة . والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير ، وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة ، قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي - أضغاث أحلام . و في الصحيح أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « 1 » : ( الرؤيا ثلاث : رؤيا من اللّه ، ورؤيا من الملك ، ورؤيا من الشيطان ) وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه فالجليّ من اللّه ، والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك ، وأضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل ، والشيطان ينبوع الباطل . هذه حقيقة الرؤيا ، وما يسببها ويشيعها من النوم . وهي خواص للنفس الإنسانية ، موجودة في البشر على العموم ، لا يخلو عنها أحد منهم ، بل كل واحد من الإنسان رأى في نومه ما صدر له في يقظته ، مرارا غير واحدة ، وحصل له القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم ، ولا بد . وإذا جاز ذلك في عالم النوم ، فلا يمتنع في غيره من الأحوال ، لأن الذات المدركة واحدة ، وخواصها عامة في كل حال . انتهى . وذكر رحمه اللّه عند بحث ( علم تعبير الرؤيا ) أن التعبير لها كان موجودا في السلف ، كما هو في الخلف ، وأن يوسف الصديق ، صلوات اللّه عليه ، كان يعير الرؤيا ، كما وقع في القرآن ، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وعن أبي بكر رضي اللّه عنه ، والرؤيا مدرك من مدارك الغيب كما تقدم . وأما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقليّ ، إذا أدرك مدركه ، وألقاه إلى الخيال فصوّره ، فإنما يصوّره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء . ومن المرئيّ ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير ، لجلائها ووضوحها ، أو لقرب الشبه فيها بين المدرك وشبهه . وللبحث تتمة سابغة ، انظرها ثمة . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 7 ] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 ) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي في قصتهم وحديثهم آياتٌ أي دلائل
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة في : التعبير ، 26 - باب القيد في المنام ، حديث 2539 .