محمد جمال الدين القاسمي
135
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
في الصدّ عن سبيل اللّه ، لأن ذلك ينافي الإيمان . قيل : الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم ، والتهديد عليه ، لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى أهله ، فكيف بمن ينغمس في حمأته ؟ . تنبيه : قال بعض المفسرين اليمانين : الآية صريحة بأن الركون إلى الظّلمة محرّم وكبيرة ، لأنه تعالى توعد بالنار . ولكن ما هو الركون الذي أراده تعالى ؟ قلنا : في ذلك وجوه ؟ فروي عن ابن عباس والأصمّ أن المعنى : لا تميلوا إلى الظلمة في شيء من دينكم . وقيل : ترضوا بأعمالهم . عن أبي العالية - . وقيل : تلحقوا بالمشركين - عن قتادة - . وقيل : تداهنوا الظلمة عن السدّي وابن زيد - . وقيل : الدخول معهم في ظلمهم ، وإظهار الرضا بفعلهم ، وإظهار موالاتهم . فأما إذا دخل عليهم لدفع شرهم ، فيجوز ، لأنه تعالى أمر بالرفق في مخالطة الكفار ، والظلمة أولى . قال الزمخشري : النهي يتناول الانحطاط في هواهم ، والانقطاع إليهم ، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم ، والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم ، والتزيّي بزيهم ، ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم . وتأمل قوله : وَلا تَرْكَنُوا فإن الركون هو الميل اليسير . وقوله : إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي إلى الذين وجد منهم الظلم ، ولم يقل : إلى الظالمين . وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام ، فقرأ بهذه الآية ، فغشي عليه ، فلما أفاق قيل له ، فقال : هذا فيمن ركن إلى من ظلم ، فكيف بالظالم ؟ انتهى . قال اليماني : قد وسع العلماء في ذلك وشدّدوا ، والحالات تختلف ، والأعمال بالنيات ، والتفصيل أولى ، فإن كانت المخالطة لدفع منكر ، أو استعانة عليه ، أو رجاء تركهم الظلم ، أو استكفاء شرورهم فلا حرج في ذلك ، وربما وجب ، وإن كان لإيناسهم وإقرارهم فلا . انتهى - . وأقول : كل هذا مبني على عموم الآية ، وأما إن كانت في مشركي مكة ،