محمد جمال الدين القاسمي

24

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيه : في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور ، وأنه مستهجن في الطباع ولذلك سميت سوأة ، لأنه يسوء صاحبها . قال الحاكم : وقد استدل قوم بالآية على وجوب ستر العورة ، وأنه كان في شريعة آدم عليه السلام . قال القاضي : لا دليل في الآية على الوجوب ، لأنه ليس فيها إلا أنهما فعلا ذلك . قال الأصم : في الآية دليل على أنهما كرها التعرّي ، وإن لم يكن لهما ثالث ، ففي ذلك دليل على قبح التعرّي ، وإن لم يكن مع المتعري أحد ، إلا لحاجة . وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا أي : إلّا كراهة أن تكونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ أي : من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين . وقد استدل بهذا من رأى تفضيل الملائكة على الأنبياء ، لارتكابهما ذلك طمعا في نيل ما ذكر . وأجاب ، من لم ير هذا ، باحتمال أن تكون هذه الواقعة قبل نبوة آدم . ولئن كانت بعدها ، فلعل آدم رغب في الملكية للقوة والشدة والقدرة ، أو لخلقة الذات ، بأن يصير جوهرا نورانيّا - أشار له الرازي - وقال الناصر : لا يلزم من اعتقاد إبليس لذلك ووسوسته بأن الملائكة أفضل ، أن يكون الأمر كذلك في علمه تعالى . ألا ترى إبليس قد أخبر أن اللّه تعالى منعهما من الشجرة حتى لا يخلدا أو لا يكونا ملكين ، وهو في ذلك كاذب مبطل فلا دليل فيه إذا ، وليس في الآية ما يوجب تقرير اللّه تعالى لإبليس على ذلك ، ولا تصديقه فيه ، بل ختمت الآية بما يدل على أنه كذب لهما وغرّهما ، إذ قال اللّه تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فلعل تفضيل الملائكة على النبوة من جملة غروره - انتهى - . قال السيوطي في ( الإكليل ) : وأنا أقول : لا أزال أتعجب ممن أخذ يستدل من هذه الآية . والكلام الذي فيها ، حكاه اللّه تعالى عن قول إبليس في معرض المناداة عليه بالكذب والغرور والزور والتدليس . وإنما يستدل من كلامه تعالى ، أو من كلام حكاه عن بعض أنبيائه . وإن لم يكن ذلك ، فكلام حكاه راضيا به مقرّا له - انتهى . على أنه قرئ ( ملكين ) بكسر اللام ، كان يقرؤها كذلك ابن عباس ويحيى بن أبي كثير . قال الواحديّ إنما أتاهما إبليس من جهة الملك . ويدل على هذا قوله تعالى هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 120 ] - انتهى - .