محمد جمال الدين القاسمي

17

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بالحكم . ومثل هذا أنه سئل عن رجل « 1 » أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمّخة بخلوق فقال : انزع عنك الجبة الخلوق ، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك . فأجابه عن الجبة ، ولو كان عليه قميص أو نحوه ، كان الحكم كذلك بالإجماع . والنوع الثاني من القياس : أن ينص على حكم لمعنى من المعاني ، ويكون ذلك المعنى موجودا في غيره ، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوّى بينهما ، وكان هذا قياسا صحيحا . فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، يستعملونهما ، وهما من باب فهم مراد الشارع . فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه ، وعلى أن يعرف مراده باللفظ . وإذا عرفنا مراده ، فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك ، لا لمعنى يخص الأصل ، أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك . وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص ، منعنا القياس . كما أنا علمنا أن الحج خص به جهة الكعبة ، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان ، وأن الاستقبال خص به جهة الكعبة ، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس ، ونحو ذلك ، فإنه يمتنع هنا أن نفيس على المنصوص غيره . وإذا عين الشارع مكانا أو زمانا للعبادة ، كتعيين الكعبة وشهر رمضان ، أو عين بعض الأقوال والأفعال ، كتعيين القراءة في الصلاة ، والركوع والسجود ، بل وتعيين التكبير وأمّ القرآن ، فإلحاق غير المنصوص به يشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا تعيين الأشهر الحرم ، وقالوا : المقصود أربعة أشهر من السنة ، فقال تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [ التوبة : 37 ] . وقياس الحلال بالنص على الحرام بالنص ، من جنس قياس الذين قالوا :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : فضائل القرآن ، 2 - باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب ، حديث 815 ونصه : عن صفوان بن يعلى بن أمية ، أن يعلى كان يقول : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي ! فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، وعليه ثوب قد أظل عليه ، ومعه ناس من أصحابه ، إذ جاءه رجل متضمخ بطيب . فقال : يا رسول الله ، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بطيب ؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعة . فجاءه الوحي . فأشار عمر إلى يعلى أن : تعال . فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة . ثم سري عنه فقال « أين الذي يسألني عن العمرة آنفا » ؟ فالتمس الرجل فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فقال « أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك » .