محمد جمال الدين القاسمي
18
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [ البقرة : 275 ] . وكذلك قياس « 1 » المشركين الذين قاسوا الميتة بالمذكّى وقالوا أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل اللّه ؟ قال تعالى وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ الأنعام : 121 ] . فهذه الأقيسة الفاسدة ، وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد ، وكل من ألحق منصوصا بمنصوص يخالف حكمه ، فقياسه فاسد . وكل من سوّى بين شيئين أو فرق بين شيئين بغير الأوصاف المعتبرة في حكم اللّه ورسوله فقياسه فاسد . لكن من القياس ما يعلم صحته ، ومنه ما يعلم فساده ، ومنه ما لم يتبين أمره . فمن أبطل القياس مطلقا فقوله باطل . ومن استدل بالقياس المخالف للشرع فقوله باطل . ومن استدل بقياس لم يقم الدليل على صحته ، فقد استدل بما لا يعلم صحته ، بمنزلة من استدل برواية رجل مجهول لا يعلم عدالته ، فالحجج الأثرية والنظرية تنقسم إلى ما يعلم صحته ، وإلى ما يعلم فساده ، وإلى ما هو موقوف حتى يقوم الدليل على أحدها . ولفظ النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة ، سواء كان اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة ، وهذا هو المراد من قول من قال : النصوص تتناول أفعال المكلفين . ويراد بالنص ما دلالته قطعية لا تحتمل النقيض ، كقوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [ البقرة : 196 ] . و اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [ الشورى : 17 ] ، فالكتاب هو النص ، والميزان هو العدل ، والقياس الصحيح من باب العدل ، فإنه تسوية بين المتماثلين ، وتفريق بين المختلفين . ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص ، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد . ولا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا ، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح ، ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية ، أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة ، فثبت أن كل واحد من النص والقياس دل على هذا الحكم كما ذكرناه من الأمثلة ، فإن القياس يدل على تحريم كل مسكر ، كما يدل النص على ذلك ، فإن اللّه حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة والبغضاء ، وتصدنا عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، كما دل القرآن على هذا المعنى . وهذا المعنى موجود في جميع الأشربة المسكرة ، لا فرق في ذلك بين
--> ( 1 ) أخرجه النسائيّ في : الضحايا ، 40 - باب تأويل قول اللّه عز وجل : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، ونصه : عن ابن عباس في قوله عز وجل : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قال : خاصمهم المشركون فقالوا : ما ذبح اللّه فلا تأكلوه . وما ذبحتم أنتم أكلتموه .