محمد جمال الدين القاسمي

74

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وروى ابن جرير « 1 » عن أيوب قال : رأيت عكرمة يمسح على رجليه . وعن الشعبيّ « 2 » قال : نزل جبريل بالمسح . ألا ترى أنّ التيمم ، أن يسمح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا ؟ وأما من ذهب إلى التخيير ، فقال : لما جاءت القراءة بما يوجب الغسل وبما يوجب المسح ، دلّ على أنه مخيّر . قال في ( الشفا ) : القراءتان لا توجبان الجمع ، بل تثبتان التخيير . ولا يخفى أن ظاهر الآية صريح في أن واجبهما المسح . كما قال ابن عباس وغيره . وإيثار غسلهما في المأثور عنه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما هو للتزيد في الفرض والتوسع فيه حسب عادته صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه سنّ في كل فرض سننا تدعمه وتقويه . في الصلاة والزكاة والصوم والحج . وكذا في الطهارات كما لا يخفى ، ومما يدلّ على أن واجبهما المسح ، تشريع المسح على الخفين والجوربين . ولا سند له إلا هذه الآية . فإن كل سنة أصلها في كتاب اللّه ، منطوقا أو مفهوما ، فاعرف ذلك واحتفظ به ، واللّه الهادي . فصل فيما قاله الصوفية - قدس اللّه سرهم - من أسرار طهارة هذه الأعضاء : فأما الوجه ، فإنما وجب غسله لأن فيه أكثر الحواس الظاهرة التي ينتفع بالمحسوسات بواسطتها ، فلا بدّ من تطهيره عن ظهور آثار حدثت عنها ، ولسبق الإحساس على العمل ، قدم ما فيه أكثر الحواس الظاهرة أي غير السمع . ثم أمر بتطهير الآلة الفاعلية للأفعال التي منها تلك الآثار - وهي الأيدي إلى المرافق - لأن العمل بالأصابع يحتاج إلى تحريك الكف التي لا تتحرك غالبا إلّا بتحريك المرافق ، ثم أمر بمسح الرأس لأنه جامع للحواس الباطنة ، فأشبه جامع الحواس الظاهرة ، وأخره عن غسل اليدين لأنه مخزن الصور المدركة بالحواس الظاهرة من أعماله وغيرها . ولم يأمر بغسله لأنه يضر بصاحب الشعر ، ولا بد منه في الزينة ، لا سيّما للمرأة ، فخفف بالمسح . ثم أوجب غسل آلة السعي لمشابهة آلة العمل وهي الأرجل ، ولما كانت حركتها توجب حركة جميع البدن ، اقتصر على أدنى الغايات ، أعني : الكعبين ، لئلا

--> ( 1 ) الأثر رقم 11486 . ( 2 ) الأثر رقم 11480 .