محمد جمال الدين القاسمي

75

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تبطل فائدة تخصيص الأعضاء ، وفي الفصل بين المغسولات بالممسوح إيماء إلى وجوب الترتيب ، والسرّ فيه ما أشرنا إليه . كذا في تفسير ( المهايميّ ) . وذكر الشعرانيّ - قدّس سره - في سرّ ذلك ، أن الوجه به حصول المواجهة في حضرة اللّه تعالى عند خطابه ، والشرع قد تبع العرف في ذلك ، وإلّا فكل جزء من بدن العبد - ظاهرا وباطنا - ظاهر للحق تعالى من العبد . أمر اللّه تعالى العبد بالتوبة فورا . مسارعة للتطهير من النجاسة المعنوية . لأن الماء لا يصل إلى القلب . فافهم . ثم وجه قول الجمهور بدخول المرفقين في اليدين بأنهما محل الارتفاق . وتكمل الحركة بهما في فعل المخالفات . ووجّه قول زفر وداود ، بأنهما لم يتمحضا للذراعين ، لأنهما مجموع شيئين : إبرة الذراع ورأس العظمين ، ثم وجّه مسح جميع الرأس ، بالأخذ بالاحتياط . فيمسح جميع محل الرياسة التي عند المتوضئ ليخرج عن الكبر الذي في ضمنها ، ويمكن من دخول حضرة اللّه تعالى في الصلاة . فإن من كان عنده مثقال ذرة من كبر لا يمكن من دخوله الجنة يوم القيامة ، كما ورد ، إذ هي الحضرة الخاصة ، وكذلك القول في حضرة الصلاة . ثم وجّه غسل القدمين بمؤاخذة العبد بالمشي بهما في غير طاعة اللّه عزّ وجل ، وكونهما حاملين للجسم كلّه . وممدين له بالقوة على المشي ، فإذا ضعفا بالمخالفة أو الغفلة سرى ذلك فيما حملاه ، كما يسري منهما القوة إلى ما فوقهما إذا غسل ، فإنهما كعروق الشجرة التي تشرب الماء وتمدّ الأغصان بالأوراق والثمار . فتعين فيهما الغسل دون المسح ، ثم ذكر سرّ من ذهب إلى وجوب الموالاة في طهارة أعضاء الوضوء ، بأن الغالب على المتطهرين ضعف أبدانهم من كثرة المعاصي ، أو الغفلات ، أو أكل الشهوات ، وإذا لم يكن موالاة جفت الأعضاء كلها قبل القيام إلى الصلاة ، مثلا . وإذا جفت فكأنها لم تغسل ولم تكتسب بالماء انتعاشا . ولا حياة تقف بها بين يدي ربها . فخاطبت ربها بلا كمال لحضور ولا إقبال على مناجاته . هذا حكم غالب الأبدان ، أما أبدان العلماء العاملين وغيرهم من الصالحين ، فلا يحتاجون إلى تشديد في أمر الموالاة لحياة أبدانهم بالماء . ولو طال الفصل بين غسل أعضائهم . فيحمل قول من قال بوجوب الموالاة على طهارة عوام الناس . ويحمل قول من قال بالاستحباب على طهارة علمائهم وصالحيهم . وسمعت سيدي عليّا الخوّاص ، رحمه اللّه تعالى ، يقول : نعم قول من قال بوجوب الموالاة في هذا الزمان . فإنّ من لم يوجبها يؤدي قوله إلى جواز طول الفصل جدّا . وزيادة البطء في زمن الطهارة ، وفوات أول الوقت ، كأن يغسل وجهه في