محمد جمال الدين القاسمي

460

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي : الحق فيتبعونه ، والباطل فيجتنبونه . تنبيهان : الأول - قيل : اللام الثانية حقيقة ، والأولى لام العاقبة والصيرورة . أي : لتصير عاقبة أمرهم ، إلى أن يقولوا : درست ، كهي في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] . وهم لم يلتقطوه للعداوة ، وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين ، ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة . فكذلك الآيات صرّفت للتبيين ، ولم تصرّف ليقول : درست . ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات ، كما حصل التبيين ، فشبه به . قال الخفاجي : وجوّز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره ، لأن نزول الآيات لإضلال الأشقياء ، وهداية السعداء . قال تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] . وقال الرازي : حمل اللام على العاقبة بعيد . لأنه مجاز . وحمله على لام الغرض حقيقة ، والحقيقة أقوى من المجاز . وإن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً قال ومما يؤكد هذا التأويل قوله : وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، يعني : إنا ما بيناه إلا لهؤلاء . فأما الذين لا يعلمون ، فما بينا هذه الآيات لهم ، وإذ لم يكن بيانا لهم ثبت جعله ضلالا لهم . انتهى . وقيل : هذه اللام لام الأمر ، ويؤيده أنه قرئ بسكونها ، كأنه قيل : وكذلك نصرف الآيات ، وليقولوا هم ما يقولون ، فإنه لا احتفال بهم ، ولا اعتداء بقولهم . وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم . وفيه نظر ، لأن ما بعده يأباه ، إذ اللام في ( لنبينه ) نص في أنها لام كي . وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة ، فلا دليل فيه ، لاحتمال أنها خففت لإجرائها مجرى كبد ، وكونها معترضة . و ( لنبينه ) متعلق بمقدر معطوف على ما قبله ، وإن صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر - كذا في ( العناية ) - . الثاني - قال الشريف قدس سره : أفعاله تعالى يتفرع عليها حكم ومصالح متقنة هي ثمراتها ، وإن لم تكن عللا غائية لها ، حيث لولاها لم يقدم الفاعل عليها . ومن أهل السنة من وافق المعتزلة في التعليل والغرض الراجع منفعته إلى العباد ، وادعى أنه مذهب الفقهاء والمحدثين . إذا عرفت هذا ، فاعلم أن حقيقة التعليل عند أهل السنة بيان ما يدل على