محمد جمال الدين القاسمي
461
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المصلحة المترتبة على الفعل . وأما تفسيره بالباعث الذي لولاه لم يقدم الفاعل على الفعل ، أو عدم اشتراط ذلك ، فهو من تحقيقات المتكلمين ، لا تعلق له باللغة . وأما عند أهل اللغة فهو حقيقة في ذلك مطلقا ، والفرق بينها وبين لام العاقبة ، أن لام العاقبة ما تدخل على ما يترتب على الفعل وليس مصلحة . وهل يشترط فيها أن يظنه المتكلم غير مترتب أم لا ، حتى يكون في كلامه تعالى من غير حكاية أم لا ، فيه خلاف - كذا في ( العناية ) - . ولما حكى تعالى عن المشركين قدحهم في تصريف الآيات ، أتبعه بالأمر بالثبات على ما هو عليه ، تقوية لقلبه ، وإزالة لما يحزنه ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 106 ] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي : من تبليغ الرسالة ، التي هي الآيات المصرفة ، مبالغة في إلزام الحجة . وقوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اعتراض أكد به إيجاب الاتباع ، أو حال مؤكدة من رَبِّكَ ، بمعنى : منفردا في الألوهية . وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ قال أبو مسلم : أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار ، وترك الموعظة . وقال المهايميّ : أي لا تحزن عليهم إذا أصروا على الشرك والعمى مع هذه البصائر . فإنه تعالى أراد بقاءهم على الشرك والعمى ، لاقتضاء استعدادهم ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 107 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا أي : مع استعدادهم ، ولكن جرت سنته برعاية الاستعدادات ، وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي : هم وإن كان لهم الاستعداد للإيمان في فطرتهم ، وقد أبطلوه ، فأنت وإن كنت داعيا إلى إصلاح الاستعداد الفطريّ ، وما جعلناك متوليا عليهم ، تحفظ مصالحهم ، حتى تكون مصلحا لاستعدادهم الفطري . وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تدبر عليهم أمورهم ، أو تغيرهم من استعدادهم إلى آخر ، بل هو مفوض إلى اللّه تعالى ، يفعل بهم بمقتضى استعدادهم الطبيعيّ لهم من غير تغيير له ، بل هو مفوّض إلى اختيارهم - أفاده المهايمي - . تنبيهان : الأول - في قوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا دليل على أنه تعالى لا يريد