محمد جمال الدين القاسمي

456

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

للبعض ، فالآية حجة لنا لا علينا . انتهى - لكن هذا إنما يستقيم إذا كانت المهملة مرادفة للجزئية . وكونها في قوتها لا يفيد المرادفة . ولهذا اعترض عليه بأن الجنس في حيّز النفي يفيد العموم اتفاقا ، نحو : ما جاءني الرجل . وإنما الاحتمال لعموم السلب ، وسلب العموم عند قصد الاستغراق ، فكيف تعكس القضية على تقدير حمل اللام على الجنس ؟ ولو ثبت المرادفة لا ندفع الاعتراض ، إذ تصير الآية حينئذ حجة لنا إلزامية ، حيث يرجع قيد البعضية إلى النفي ، كما أرجع المعتدل قيد العموم ، على تقدير الاستغراق ، إليه . فتأمل ! - كذا في حواشي الحلبي والشروانيّ - . الثالث - من تلك الوجوه أنها - أي الآية - وإن عمت في الأشخاص باستغراق اللام ، فإنها لا تعم في الأزمان ، فإنها سالبة مطلقة لا دائمة ، ونحن نقول بموجبه ، حيث لا يرى في الدنيا . قال العلامة حسن حلبي : وما استدل به الخصم سابقا على أنها دائمة ، من أن إيجابها لا يفيد عموم الأوقات ، فلا بد أن يفيده ما يقابله - فجوابه : أنه إنما يتم إذا كان التقابل بينهما تقابل التناقض ، وهو ممنوع . فإن القضية الموجبة والسالبة ، الغير الموجهتين ، لم توضعا في العربية لمعنيين متناقضين ، بل لهما محامل يحملهما المستعمل حسب ما يريده . الرابع - منها أن الآية تدل على أن الأبصار لا تراه ، ولا يلزم منه أن المبصرين لا يرونه ، لجواز أن يكون ذلك النفي المذكور في الآية ، نفيا للرؤية بالجارحة مواجهة وانطباعا ، كما هو العادة ، فلا يلزم نفي الرؤية بالجارحة مطلقا . وأما الجواب عن الوجه الثاني وهو قوله : تمدح الباري بأنه لا يرى ، فنقول : هذا مدعاكم ، فأين الدليل عليه ؟ إن قلت : أشير فيما تقدم إلى دليله بأنه ذكر في أثناء المدائح ، والمذكور بينهما يجب أن يكون مدحا - قلت : ذلك الدليل إنما يدل على التمدح بنفي المبصرية ، لا بنفي الرؤية ، والفرق قد سبق في الجواب الأول . انتهى . وإذا ثبت أن سياق الكلام يقتضي أنه تمدح ، لم يكن لكم فيه دليل على امتناع رؤيته ، بل لنا فيه الحجة على صحة الرؤية ، لأنه لو امتنعت رؤيته لما حصل المدح بنفيها عنه ، إذ لا مدح للمعدوم بأنه لا يرى ، حيث لم يكن له ذلك ، وإنما المدح في عدم الرؤية للمتمنع المتعزز بحجاب الكبرياء ، كما في الشاهد . انتهى . وناقش الخيالي قولهم : ( لا مدح للمعدوم ) بأن عدم مدح المعدوم لاشتماله على معدن كل نقص أعني : العدم ، فإن أصل الممادح والكمالات هو الوجود ، وقد