محمد جمال الدين القاسمي
457
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عرا عنه . كما أن الأصوات والروائح لا تمدح بمنع إمكان رؤيتها ، لكونها مقرونة بسمات النقص . قال : والحق أن امتناع الشيء لا يمتنع التمدح بنفيه ، إذ قد ورد التمدح بنفي الشريك ، ونفي اتخاذ الولد في القرآن ، مع امتناعهما في حقه تعالى . انتهى . ووافقه حسن حلبي في ( حواشي شرح المواقف ) ، لكنه أجاب بأن المدح بجهة لا يقتضي الكمال من جهات أخر ، وكذا النقصان من جهة لا ينافي المدح بغيرها . انتهى . وأجاب قره خليل بوجوه : الأول - أن مراد ذلك المستدل هو الإلزام على المعتزلة ، لا تحقيق الاستدلال على جواز الرؤية . الثاني - أن مبنى كلامه على العرف واللغة ، فإن أهلهما إذا أرادوا مدح شيء يقولون هذا الشيء مما لا تدركه الأبصار ، أو مما لا تراه العيون ، مع أنها مما تدركه عادة . فهذا القول منهم يدل على إمكان رؤية ذلك الشيء عادة ، بل على وقوعها أيضا . بخلاف الأصوات والروائح ونحوها ، فإنها ليست مما تدركه الأبصار عادة ، فلا يحسن مدحها بعدم إدراك الأبصار ، أو بعدم رؤيتها . نعم ! إذا أرادوا مدح الأصوات يقولون : لم تسمعها أذن ، وإذا أرادوا مدح الروائح ، يقولون : لم يشمها أنف . الثالث - إنا قلنا : إن نفي الرؤية في مقام المدح يدل على إمكان الرؤية ، ولم نقل إن نفي كل شيء في مقام المدح يدل على إمكان ذلك الشيء ، حتى يرد علينا النقض بنفي الشريك ، أو بنفي اتخاذ الولد في مقام المدح ، مع أن إمكان المنفي في صورة النقض نقص ينافي الألوهية ، وإمكان المنفي فيما نحن بصدده ليس نقصا ، بل هو كمال . انتهى . قال حسن حلبي : إن قيل : يلزم على ثبوت التمدح بنفي الرؤية ، تعززا وتمنعا ، أن لا يزول ، لأن زوال ما به التمدح نقص ، فيلزم أن لا يرى في الآخرة . والجواب : أن ذلك فيما يرجع إلى الصفات . والتمدح بنفي الرؤية يرجع إلى التمدح بخلق ضدها ، وهو من قبيل الأفعال ، كما أن خلق الرؤية أيضا منها . انتهى . وقد بيناه أولا ، وسيأتي لذلك تتمة شافية إن شاء اللّه تعالى عند قوله سبحانه وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، مما هو أعظم حجة ، وأوضح برهانا ، واللّه الموفق .