محمد جمال الدين القاسمي
455
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
1 - والإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية . فمعنى قولك : أدركته ببصري ، معنى رأيته . لا فرق إلا في اللفظ . أو هما أمران متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر ، فلا يجوز : رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه . فالآية نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة ، في جميع الأوقات ، لأن قولك : فلان تدركه الأبصار ، لا يفيد عموم الأوقات ، فلا بد أن يفيده ما يقابله ، فلا يراه شيء من الأبصار ، لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، لما ذكرنا . 2 - ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى ، فإنه ذكره في أثناء المدائح : وما كان من الصفات عدمه مدحا ، كان وجوده نقصا ، يجب تنزيه اللّه عنه ، فظهر أنه يمتنع رؤيته ، وإنما قلنا : ( من الصفات ) احترازا عن ( الأفعال ) ، كالعفو والانتقام ، فإن الأول فضل ، والثاني عدل ، وكلاهما كمال . والجواب : أما عن الوجه الأول في الاستدلال بالآية فمن وجوه : الأول - أن الإدراك هو الرؤية ، على نعت الإحاطة بجوانب المرئيّ ، إذ حقيقته النيل والوصول ، و ( إنا لمدركون ) أي ملحقون ، و ( أدركت الثمرة ) أي : وصلت إلى حد النضج و ( أدرك الغلام ) أي بلغ . ثم نقل إلى الرؤية المحيطة ، لكونها أقرب إلى تلك الحقيقة . والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة ، أخص مطلقا من الرؤية المطلقة . فلا يلزم من نفي المحيطة عن الباري سبحانه ، لامتناع الإحاطة ، نفي المطلقة عنه . وقوله ( لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر ) ممنوع ، بل يصح أن يقال : رأيته وما أدركه بصري . أي : لم يحط به من جوانبه ، وإن لم يصح عكسه . الثاني - أن ( تدركه الأبصار ) موجبة كلية ، لأن موضوعها جمع محلّى باللام الاستغراقية . وقد دخل عليها النفي فرفعها . ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية . وبالجملة فيحتمل قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ إسناد النفي إلى الكل ، بأن يلاحظ أولا دخول النفي ، ثم ورود العموم عليه ، فيكون سالبة كلية . ونفي الإسناد إلى الكل بأن يعتبر العموم أولا ، ثم ورود النفي عليه ، فيكون سالبة جزئية . ومع احتمال المعنى الثاني ، لم يبق فيه حجة لكم علينا . لأن أبصار الكفار لا تدركه ، إجماعا . هذا ما نقوله : لو ثبت أن اللام في الجمع للعموم والاستغراق ، وإلا عكسنا القضية ، فادّعينا أن الآية حجة لنا وقلنا : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ سالبة مهملة في قوة الجزئية ، فالمعنى : لا تدركه بعض الأبصار ، وتخصيص البعض بالنفي يدل بالمفهوم على الإثبات