محمد جمال الدين القاسمي
411
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الربوبية على ما ذكرنا ، وقد ثبت ذكر في أكبر الكواكب - ( أعني الشمس ) - فلزم ثبوته فيما دونها بالأولى - فهلا اقتصر على أفول الشمس رعاية للإيجاز والاختصار ؟ أجيب : بأن الأخذ من الأدنى فالأدنى ، إلى الأعلى فالأعلى ، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد ، لا يحصل من غيره ، فكان سوق الاستدلال على هذا الوجه أولى - أفاده الرازي - الرابع - قال الرازي : تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيّا على الدليل ، لا على التقليد ، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 80 ] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) قوله تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ أي جادلوه ، وأرادوا مغالبته بالحجة ، فيما ذهب إليه من توحيد اللّه ، ونفي الشركاء عنه ، تارة بأدلة فاسدة واقفة في حضيض التقليد ، وأخرى بالتخويف ، وقد أشير إلى جواب كل منهما . قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ أي : أتجادلونني في توحيده ، وقد هداني لإقامة الحجج ، ورفع الشبه على نفي إلهية ما سواه ، وقد ثبت أنها ناقصة في ذواتها ، فكمالاتها من غيرها ، ولا إلهية للناقص بالذات ، لأن كماله لا يكون مطلقا ، و ( تحاجوني ) بإدغام نون الجمع في نون الوقاية ، وقرئ بحذف الأولى . وقوله تعالى : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ أي لا أخاف معبوداتكم ، لأنها جمادات لا تضر بنفسها ولا تنفع ، وهو جواب عما خوفوه عليه الصلاة والسلام في أثناء المحاجة من إصابة مكروه من جهة أصنامهم ، كما قال لهود عليه السلام قومه : إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [ هود : 54 ] . وتخويفهم ، وإن لم يسبق له ذكر ، لكنه فهم من قوله : وَلا أَخافُ . وقال ابن كثير : أي ومن الدليل على بطلان قولكم ؛ إن هذه المعبودات لا تؤثر شيئا ، وأنا لا أخافها ولا أباليها ، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون . انتهى . إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً أي : من إصابة مكروه بي من جهتها ، وذلك إنما هو من جهته تعالى ، من غير دخل لمعبوداتكم فيه أصلا . وفي ( الانتصاف ) : غاية خوف إبراهيم منها . المعلق على مشيئة اللّه تعالى