محمد جمال الدين القاسمي
412
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لذلك ، خوف الضرر عندها بقدرة اللّه تعالى ، لا بها ، وكأنه في الحقيقة لم يخف إلا من اللّه ، لأن الخوف الذي أثبته منها معلق بمشيئة اللّه وقدرته ، وهو كالخوف منها - واللّه أعلم - . وقوله تعالى : وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً كأنه علة الاستثناء ، أي : أحاط بكل شيء علما . فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها ، أي : كرجمه بالنجوم . لأنه إذا أحيل شيء إلى علم اللّه ، أشعر بجواز وقوعه . وفي الإظهار في موضع الإضمار ، مع التعرض لعنوان الربوبية ، إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى ، واستسلام لأمره ، واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته . هذا ، وجعل المهايمي ذلك علة لاستدراك محذوف ، لعلمه من المقام ، حيث قال في الآية : ولا أخاف الضرر على نفسي من تأثير ما تشركون به ، إلا أن يشاء ربي أن يجعل لهم شيئا من التأثير ، لكنه لا يشاء في شأني ، لأنه وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فعلم أنه لو أوجد التأثير فيهم بما يضرون به من بعثه لتوحيده ، صار محجوبا انتهى - والأول أقرب - . أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أي : تعتبرون بأن هذه المعبودات جمادات ، لا تضر ولا تنفع ، وأن النافع الضار هو الذي خلق السماوات والأرض . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 81 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ أي : معبوداتكم ، وهي مأمونة الخوف ، وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ، أي : بإشراكه عَلَيْكُمْ سُلْطاناً أي : حجة . إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة . والمعنى : وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن ، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع أعظم المخوفات وأهولها فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي : فريقي الموحدين والمشركين ، أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أي : من لحوق الضرر ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي : ما يحق أن يخاف منه . أو من أحق بالأمن أو من أولي العلم ؟ وجواب الشرط محذوف . أي : فأخبروني . ثم بيّن تعالى من له الأمن ، جوابا عما استفهم عنه الخليل عليه السلام بقوله :