محمد جمال الدين القاسمي
225
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ أي نبيهم موسى عليه السلام وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ أي : من التوراة مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ إذ الإيمان باللّه يمنع من تولّي من يعبد غيره وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم ، أو متمردون في نفاقهم . يعني : أن موالاتهم للمشركين كفى بها دليلا على نفاقهم ، وإن إيمانهم ليس بإيمان ، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام . فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام ، بل مرادهم الرياسة والجاه ، فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه ، فلهذا وصفهم تعالى بالفسق . وفي الآية وجه آخر : وهو أن يكون المعنى : ولو كانوا - أي منافقوا أهل الكتاب المدّعون للإيمان - يؤمنون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن حق الإيمان ، ما ارتكبوا ما ارتكبوه ، من موالاة الكافرين في الباطن . والوجه الأول أقوم ، واللّه أعلم . ثم أكد تعالى ما تقدم من مثالب اليهود بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 82 ] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وإنما عاداهم اليهود لإيمانهم بعيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ وعاداهم المشركون لتوحيدهم وإقرارهم بنبوة الأنبياء - أشار إليه المهايميّ . وقال غيره : لشدة إبائهم ، وتضاعف كفرهم ، وانهماكهم في اتباع الهوى ، وركونهم إلى التقليد ، وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء ، والاجتراء على تكذيبهم ، ومناصبتهم لهم . ولهذا قتلوا كثيرا منهم حتى هموا بقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير مرة ، وسموه ، وسحروه ، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين . وفي تقديم ( اليهود ) على ( المشركين ) ، بعد لزّهما في قرن واحد ، إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة ، كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [ البقرة : 96 ] إيذانا