محمد جمال الدين القاسمي
226
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بتقدمهم عليهم في الحرص . وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى للين جانبهم وقلة غلّ قلوبهم . قال ابن كثير : وما ذاك إلا لما في قلوبهم ، إذ كانوا على دين المسيح ، من الرقة والرأفة ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً [ الحديد : 27 ] . وفي كتابهم : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر . وليس القتال مشروعا في ملّتهم . انتهى . ولأن من مذهب اليهود ، أنه يجب إيصال الشر إلى من خالف دينهم بأي طريق كان ، من القتل ونهب المال ونحوهما ، وهو عند النصارى حرام . فحصل الفرق . و قد روى ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا : ما خلا يهوديّ بمسلم إلا همّ بقتله . ولكثرة اهتمام النصارى بالعلم والترهب ، مما يدعو إلى قلة البغضاء والحسد ، ولين العريكة ، كما أشير إليه بقوله تعالى : ذلِكَ أي : كونهم أقرب مودة للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ أي : بسبب أن منهم قِسِّيسِينَ أي علماء وَرُهْباناً أي عبّادا متجردين وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي : يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود . وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم ، والإعراض عن الشهوات ، والبراءة من الكبر - محمود . وإن كان ذلك من كافر . لطيفة : قال الناصر في ( الانتصاف ) : إنما قال تعالى : الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ولم يقل ( النّصارى ) تعريضا بصلابة اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر ، لأن اليهود قيل لهم : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [ المائدة : 21 ] فقابلوا ذلك بأن قالوا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] . والنصارى قالوا : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [ آل عمران : 52 ] . ومن ثم سمّوا نصارى . وكذلك أيضا ورد أول هذه السورة . وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [ المائدة : 14 ] . فأسند ذلك إلى قولهم ، والإشارة به إلى قولهم : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ * لكنه هاهنا ذكر تنبيها على أنهم لم يثبتوا على الميثاق ولا على ما قالوه من أنهم أنصار اللّه . وفي الآية الثانية ذكر تنبيها على أنهم أقرب حالا من اليهود . لأنهم لما ورد عليهم الأمر لم يكافحوه بالردّ مكافحة اليهود . بل قالوا : نَحْنُ أَنْصارُ