محمد جمال الدين القاسمي

218

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

البدع ، فذلك ظاهر الجواز ؛ وإن كان مع المؤمن جاز بشرط أن يقصد إرشاده إلى الحق ، لا إن قصد العلوّ فمحظور . وحكي عن الشافعيّ أنه كان إذا جادل أحدا قال : اللهم ! ألق الحق على لسانه . أفاده بعض الزيدية . ولما أقام تعالى الأدلة القاهرة على بطلان ما تقوله النصارى ، أرشدهم إلى اتباع الحق ومجانبة الغلوّ الباطل ، بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 77 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ أي : الذي هو ميزان العدل لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أي : لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه ، وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما تقوّلتم عليهما من العظيمة ، فأدخلتم في دينكم اعتقادا غير الحق بلا دليل عليه ، مع تظاهر الأدلة على خلافه . ونصب ( غير ) على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي : غلوّا غير الحق . يعني غلّوا باطلا . أو حال من ضمير الفاعل أي : مجاوزين الحق . و ( الغلو ) نقيض التقصير ، ومعناه الخروج عن الحد ؛ وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط ، ودين اللّه بين الغلو والتقصير . تنبيه : دلت الآية على أن الغلوّ في الدين غلوّان : ( غلوّ حق ) كأن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه ؛ و ( غلوّ باطل ) وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه . قال بعض الزيدية : دلت الآية على أن الغلوّ في الدين لا يجوز ، وهو المجاوزة للحق إلى الباطل . ومن هذا ، الغلوّ في الطهارة مع كثير من الناس ، بالزيادة على ما ورد به الشرع لغير موجب . انتهى . ومن هذا القبيل الغلوّ في تعظيم الصالحين وقبورهم حتى يصيّرها كالأوثان التي كانت تعبد . و روى « 1 » الإمام أحمد والنسائيّ وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس ، أن النبيّ

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 215 ، والحديث رقم 1851 . والنسائي في : مناسك الحج ، 218 - باب التقاط الحصى .