محمد جمال الدين القاسمي

200

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هذه الليلة غير لدغة . فخرّق ثيابه وجعلها في الشقوق . وسدّ بعضها بقدمه اتقاء لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه . فلقيه سراقة بن مالك بن جعشم . وهو من جملة من توجه لطلبه ، فقال له أبو بكر : هذا سراقة قد قرب . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللهمّ ! اكفنا سراقة . فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها . فقال سراقة : يا محمد ! ادع اللّه أن يطلقني ولك عليّ أن أردّ من جاء يطلبك ، ولا أعين عليك أبدا ! فقال اللهمّ ! إن كان صادقا فأطلق عن فرسه . فأطلق اللّه عنه . ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه . هذا ما أورده الماروديّ من الأعلام قبل الهجرة ؛ ثم أورد ما وقع بعدها ؛ وسننقلها عن ابن كثير ، فإنه قال في هذه الآية : ومن عصمة اللّه لرسوله ، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسّادها ومعانديها ومترفيها ، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا ، بما يخلقه اللّه من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة . فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب . إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش . وخلق اللّه في قلبه محبة طبيعية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا شرعية . ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها . ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر ، هابوه واحترموه . فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا . ثم قيض اللّه له الأنصار فبايعوه على الإسلام ، وعلى أن يتحمل إلى دراهم ، وهي المدينة . فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود . وكلّما همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده اللّه وردّ كيده عليه . كما كاده اليهود « 1 » بالسحر ، فحماه اللّه منهم وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء . ولما سمّه « 2 » اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر ، أعلمه اللّه به وحماه منه . ولهذا أشباه كثيرة جدّا يطول ذكرها . فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة : فقال ابن جرير « 3 » : حدثنا الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا أبو معشر حدثنا

--> ( 1 ) انظر صحيح البخاري في : الطب ، 47 - باب السحر وقول الله تعالى : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . و 49 - باب هل يستخرج السحر و 50 - باب السحر . والحديث رقم 1499 عن السيدة عائشة رضي الله عنها . ( 2 ) انظر صحيح البخاري في : الجزية والموادعة ، 7 - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين ، هل يعفى عنهم ؟ والحديث رقم 1498 عن أبي هريرة . ( 3 ) الأثر رقم 12278 من التفسير .