محمد جمال الدين القاسمي

199

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فقال : إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرّق جماعتنا وبدّد شملنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلل آباءنا . وكان في القوم الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ، وأمية وأبيّ ابنا خلف ، في جماعة من صناديد قريش . فقالوا له : قل ما شئت فإنا نطيعك . قال : سأقوم فأكلمه . فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه . وإلا رأينا فيه رأينا . فقالوا له : شأنك يا أبا عبد شمس ! فقام وتقدم إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس وحده . فقال : أنعم صباحا يا محمد ! قال : يا عبد شمس ! إن اللّه قد أبدلنا بهذا ، السلام ، تحية أهل الجنة . قال : يا ابن أخي ! إني قد جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم . إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها ولنا فيها الفسحة ! ثم قال : يا ابن عبد المطلب ! أنا زعيم قريش فيما قالت . قال : قل . قال : يا ابن عبد المطلب ! إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فاقبل مني ما أقول لك . قال : قل . قال : إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملكك علينا من غير تعب ونتوجك ، فارجع عن ذلك . فسكت . ثم قال له : وإن كان ما تدعوا إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك . فقال : لا قوة إلا باللّه ! ثم قال له : وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش . فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا وتفريق جماعتنا . وإن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بن ثعلبة مجنونهم . فسكت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد ! ما تقول ؟ وبم أرجع إلى قريش ؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ - حتى بلغ إلى قوله فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 1 - 13 ] . قال عتبة : فلما تكلم بهذا الكلام ، فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من أعجازها . وقام فزعا يجر رداءه . فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتفاض العصفور . وقام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يصلي . فقالت قريش : لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك ؟ قال : ويحكم ! دعوني . إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا . ولقد رعدت عليّ الرعدة حتى خفت على نفسي ، وقلت : الصاعقة قد أخذتني . . فندموا على ذلك . ( ومن أعلامه ) : أنه لما أراد الهجرة ، خرج من مكة ومعه أبو بكر . فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش . وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء ، فأعانه اللّه تعالى بإخفاء أثره . وأنبت على باب الغار ثمامة ( وهي شجرة صغيرة ) . وألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفه عين . ولدغ أبو بكر