محمد جمال الدين القاسمي
198
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فلا أرى هذا الحيّ من بني هاشم يقدر على حربي . وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ، ففي مالي سعة . وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر . وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس . فلبس ، يوم وعده قريشا ، سلاحه وظاهر بين درعين . فوافقهم بالحطيم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الحجر يصلي . وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في الصلاة . فقيل له : هذا محمد ساجد . فأهوى إليه ، وقد سل سيفه وأقبل نحوه . فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد . فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط فقام ، وقد أدمى وجهه بالحجارة ، يعدو كأشد العدو . حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف . فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا : ما أصابك ؟ قال : ويحكم ! المغرور من غررتموه . قالوا : ما شأنك ؟ قال : ما رأيت كاليوم . دعوني ترجع إلي نفسي . فتركوه ساعة وقالوا : ما أصابك ؟ يا أبا الليث ! قال : إني لما دنوت من محمد ، فأردت أن أهوى بسيفي إليه ، أهوى إليّ من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران ، وتلمع من أبصارهما . فعدوت . فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد . ( ومن أعلامه ) : أن كلدة بن أسد ، أبا الأشد ، وكان من القوة بمكان ، خاطر قريشا يوما في قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم . فرأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال . فجاء كلدة ومعه المزراق . فرجع المزراق في صدره . فرجع فزعا . فقالت له قريش : مالك ؟ يا أبا الأشد ! فقال : ويحكم ! ما ترون الفحل خلفي ؟ قالوا : ما نرى شيئا . قال : ويحكم ! فإني أراه . فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف . فاستهزأت به ثقيف ، فقال : أنا أعذركم ، لو رأيتم ما رأيت لهلكتم . ( ومن أعلامه ) : أن أبا لهب خرج يوما ، وقد اجتمعت قريش فقالوا له : يا أبا عتبة ! إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا . وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه . ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا . وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية وتسود قومك . فقال : فإني أكفيكم ! ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم . فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه ، نزل أبو لهب ، وهو يصلي . وتسلقت امرأته أم جميل الحائط ، حتى وقفت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ساجد . فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه ، وهما كانا لا ينقلان قدما ولا يقدران على شيء حتى تفجر الصبح . وفرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال له أبو لهب : يا محمدا أطلق عنا . فقال : ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني ، قالا : قد فعلنا . فدعا ربه فرجعا . ( ومن أعلامه ) : أن قريشا اجتمعوا في الحطيم . فخطبهم . عتبة بن ربيعة