محمد جمال الدين القاسمي

19

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لا يؤثر فيه المطهر . وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ لأنه نجس في حياته بصفاته الذميمة وهي ، وإن زالت بالموت ، فهو منجّس ولم يقبل التطهير . لأنه لما كان نجسا حال الحياة والموت ، أشبه النجس بالذات ، فكأنه زيد تنجيسه بالموت . وإنما ذكر اللحم إشارة إلى أنه ، وإن لم يكن موصوفا في الحياة بالصفات المنجسة لروحه ، كان متنجسا بنجاسة روحه ، ثم بزوال الروح . انتهى . قال ابن كثير : وقوله تعالى : وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ يعني إنسيّه ووحشيه ، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم ، كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطّرد . و في صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي اللّه عنه قال « 1 » : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من لعب بالنردشير ، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه » ، فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس ، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به ؟ وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره . وفي الصحيحين « 2 » : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام : فقيل : يا رسول اللّه ! أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا هو حرام » وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي : نودي عليه بغير اسم اللّه ، كما في ( الصحاح ) وأصل الإهلال رفع الصوت ، وكان العرب في الجاهلية ، يذكرون أسماء أصنامهم عند الذبح ، فحرم اللّه ذلك بهذه الآية . وبقوله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 121 ] . قال ابن كثير في الآية : أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير اللّه ، فهو حرام . لأن اللّه تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم . فمن عدل بها عن ذلك ، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات ، فإنها حرام بالإجماع . وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية ، إما عمدا أو نسيانا ، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام ، إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الشعر ، حديث 10 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : البيوع ، 112 - باب بيع الميتة والأصنام ، حديث 1121 ونصه : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أنه سمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول ، عام الفتح ، وهو بمكة « إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » فقيل : يا رسول الله ! أرأيت شحوم الميتة ، فإنها يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس . فقال « لا . هو حرام » ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك « قاتل الله اليهود . إن الله لما حرّم شحومها ، جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه » .