محمد جمال الدين القاسمي
188
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقوله تعالى : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أي من اليهود ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من جوامع الخيرات طُغْياناً أي : عدوانا على الناس ، أو تماديا في الجحود وَكُفْراً أي : في أنفسهم بعد كفرهم وطغيانهم بالتحريف وأخذ الرشوة أوّلا . وهذا من إضافة الفعل إلى السبب . أي : يزدادون طغيانا وكفرا بما أنزل ، كما قال : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ . [ التوبة : 125 ] . قال الحافظ ابن كثير : أي يكون ما آتاك اللّه ، يا محمّد ، من النعمة نقمة في حقّ أعدائك من اليهود وأشباههم . فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا ، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك ، طغيانا - وهو المبالغة والمجاوزة للحدّ في الأشياء - وكفرا أي تكذيبا . كما قال تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [ فصلت : 44 ] ، وقال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] . وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فكلمتهم أبدا مختلفة وقلوبهم شتى ، لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد . وقد ذكر الشهرستانيّ أنهم افترقوا نيّفا وسبعين فرقة . ولما قدم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، كان اليهود ثلاث طوائف حول المدينة : بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة . وبسط ما جرياتهم ، وهدية صلى اللّه عليه وسلم في شأنهم ، مبسوط في ( زاد المعاد ) لابن القيم . فراجعه . قال الرازيّ : واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أنه تعالى بيّن أنهم إنما ينكرون نبوّته بعد ظهور الدلائل على صحتها ، لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة . ثم إنه تعالى بيّن أنهم ، لما رجّحوا الدنيا على الآخرة ، لا جرم أن اللّه تعالى ، كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا ، لأن كل فريق منهم بقي مصرّا على مذهبه ومقالته . يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات . تعظما لنفسه وترويجا لمذهبه . فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم . وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفّر بعضا ، ويغزو بعضهم بعضا . وفي الآية وجهان : ( أحدهما ) ما بين اليهود والنصارى ، لأنه جرى ذكرهم في قوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى [ المائدة : 51 ] . وهو قول الحسن