محمد جمال الدين القاسمي

189

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ومجاهد . لأنهم المحدّث عنهم في قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ . و ( الثاني ) ما بين فرق اليهود خاصة . أقول : وهو الظاهر . فإن قلت : فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين ، فكيف يكون ذلك عيبا على الكتابيين حتى يذموا به ؟ قلت : بدعة التفرق التي حصلت في المسلمين ، إنما حدثت بعد عصر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعصر الصحابة والتابعين . أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم ؛ فحسن جعل ذلك عيبا على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن . كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي : كلما أرادوا حرب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإثارة شر عليه ، ردهم اللّه سبحانه وتعالى ، بأن أوقع بينهم منازعة كفّ بها عنه شرهم ، أو : كلما أرادوا حرب أحد ، غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من اللّه تعالى على أحد قط . فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب ، لأنه كان عادتهم ذلك . ونيران العرب مشهورة ، منها هذه . وإطفاء النار على الأول عبارة عن دفع شرهم ، وعلى الثاني غلبتهم . و ( للحرب ) إما صلة ل ( أوقدوا ) ، أو متعلق بمحذوف وقع صفة ( نارا ) أي : كائنة للحرب . و وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أي : للفساد أو مفسدين ، أي : يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وتعويق الناس عنه وإثارة الفتن وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أي : من كان الإفساد صفته . و ( اللام ) إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليّا ، أو للعهد ، ووضع المظهر موضع المضمر للتعليل ، وبيان كونهم راسخين في الإفساد . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 65 ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ أي : مع ما عددنا من سيئاتهم آمَنُوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبما جاء به وَاتَّقَوْا مباشرة الكبائر لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي ذنوبهم وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ في الآخرة مع المسلمين . وفيه إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم ، ودلالة على سعة رحمة اللّه تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص ، وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى ، وأن الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ . وأن الكتابيّ لا يدخل الجنة ما لم يسلم . قال الزمخشريّ : وفيه أن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعا بالتقوى ، كما قال الحسن : هذا العمود ، فأين الأطناب ؟ انتهى .