محمد جمال الدين القاسمي
186
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقال الإمام أبو الحسن الأشعريّ رحمه اللّه تعالى في كتاب ( الإبانة ) في باب ( الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين ) وذكر الآيات في ذلك . ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته . مثل قوله : فإن سئلنا : أتقولون للّه يدان ؟ قيل : نقول ذلك ، وقد دل عليه قوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] وقوله تعالى : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] وروي « 1 » عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ان اللّه مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذرية ، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أن اللّه خلق آدم بيده ، وخلق جنة عدن بيده ، وكتب التوراة بيده ، وغرس شجرة طوبى بيده . وليس يجوز في لسان العرب ، ولا في عادة أهل الخطاب ، أن يقول القائل : عملت كذا بيدي ، ويعني به النعمة . وإذا كان اللّه إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري في مفهومها في كلامها ، ومعقولا في خطابها ، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل : فعلت بيدي ، ويعني به النعمة - بطل أن يكون معنى قوله عز وجل بِيَدَيَّ النعمة . وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه . وقال القاضي أبو بكر الباقلانيّ في كتاب ( الإبانة ) له : فإن قال : فما الدليل على أنّ للّه وجها ويدا ؟ قيل له : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] ، وقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فأثبت لنفسه وجها ويدا : فإن قال : فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلّا جارحة ؟ قلنا : لا يجب هذا كما لا يجب - إذا لم نعقل حيّا عالما قادرا إلّا جسما - أن نقضي نحن وأنتم بذلك على اللّه سبحانه . وقال الشيخ تقيّ الدين في ( الرسالة المدنية )
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : السنة ، 16 - باب في القدر ، حديث 4703 ونصه : عن مسلم بن يسار الجهني ، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ . فقال عمر : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سئل عنها فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « إن الله عز وجل خلق آدم . ثم مسح ظهره بيمينه . فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون » . فقال رجل : يا رسول الله ! ففيم العمل ؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله الجنة . وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار .