محمد جمال الدين القاسمي
185
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مشهور عن البخل والجود . ومنه قوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] ، قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال . لا سيما لدفع المال ولإنفاقه . فأطلقوا اسم السبب على المسبب . وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف . مبسوط اليد ، وسبط البنان نزه الأنامل . ويقال للبخيل : كزّ الأصابع ، مقبوض الكف ، جعد الأنامل . وقوله تعالى : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بالبخل أو بالفقر والمسكنة ، أو بغلّ الأيدي حقيقة . يغلّون أي : تشدّ أيديهم إلى أعناقهم أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة وَلُعِنُوا أي : أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة بِما قالُوا من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق اللّه حقيقة ولا مجازا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ أي : بأنواع العطايا المختلفة . وثنّى ( اليد ) مبالغة في الرّد ونفي البخل عنه تعالى ، وإثباتا لغاية الجود ، فإن غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطيه بيديه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ تأكيد لما قبله ، منبه على أن إنفاقه تابع لمشيئته ، المبنية على الحكم ، التي عليها يدور أمر المعاش والمعاد . وهاهنا مباحث الأول : ما زعمه الزمخشريّ ومن تابعه - من أنّ إثبات اليد لا يصحّ حقيقة له تعالى - فإنه نزعة كلامية اعتزالية . قال الإمام ابن عبد البرّ في ( شرح الموطأ ) : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة ، والإيمان بها ، وحملها على الحقيقة لا على المجاز . إلّا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك ولا يحدّون فيه صفة محصورة . وأما أهل البدع ، الجهمية والمعتزلة كلها ، والخوارج ، فكلهم ينكروها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة . ويزعم أن من أقرّ بها شبّه . وهم عند من أقرّ بها نافون للمعبود . والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللّه وسنة رسوله . وهم أئمة الجماعة . وقال القاضي أبو يعلى في كتاب ( إبطال التأويل ) : لا يجوز ردّ هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها . والواجب حملها على ظاهرها ، وأنها صفات اللّه ، لا تشبّه بسائر الموصوفين بها من الخلق ، ولا يعتقد التشبيه فيها ثم قال : ويدل على إبطال التأويل ، أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين ، حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها ، ولو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق . لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة .