محمد جمال الدين القاسمي
181
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره ، أو لتأويله بالمذكور ونحوه . وفي الكلام مقدر أي : بشرّ من حال هؤلاء . وقيل : المشار إليه المتقدمون الذين هم أهل الكتاب ، يعني أن السلف شرّ من الخلف . وجعله الزمخشريّ إشارة إلى المنقوم . وقد جوّد في إيضاحه العلامة أبو السعود بقوله : لما أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم ، ببيان أن مدار نقمهم للدين إنما هو اشتماله على من يوجب ارتضاءه عنهم أيضا ، وكفرهم بما هو مسلم لهم - أمر عليه الصلاة والسلام عقيبه بأن يبكتهم ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة ، ما هم عليه من الدين المحرف . وينعى عليهم في ضمن البيان جناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها ، على منهاج التعريض . لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد . ويخاطبهم قبل البيان بما ينبئ عن عظم شأن المبيّن ، ويستدعي إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به ، والتنبئة المشعرة بكونه أمر خطيرا ، لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن وخطر . وحيث كان مناط النقم شرّية المنقوم حقيقة أو اعتقادا ، وكان مجرد النقم غير مقيد لشريته البتة ، قيل ( بشرّ من ذلك ) ولم يقل : بأنقم من ذلك ، تحقيقا لشرية ما سيذكر وزيادة تقرير لها . وقيل : إنما قيل ذلك ، لوقوعه في عبارة المخاطبين ، حيث أتى نفر من اليهود فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن دينه فقال عليه الصلاة والسلام : « أومن باللّه وما أنزل إلينا » . . - إلى قوله - ونحن له مسلمون . فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام ، قالوا : لا نعلم شرّا من دينكم . وإنما اعتبر الشرية بالنسبة إلى الدين - وهو منزه عن شائبة الشرية بالكلية - مجاراة معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شريته ، ليثبت أن دينهم شرّ من كل شرّ . أي : هل أخبركم بما هو شرّ في الحقيقة مما تعتقدونه شرّا ، وإن كان في نفسه خيرا محضا ؟ انتهى . وقوله : مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ أي جزاء ثابتا عند اللّه . قال الراغب : الثواب ما رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله . سمي به بتصور أن ما عمله يرجع إليه ، كقوله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، ولم يقل : ير جزاءه . والثواب يقال في الخير ولا شر ، لكن الأكثر المتعارف في الخير . وكذا المثوبة ، وهي مصدر ميميّ بمعناه . وعلى اختصاصها بالخير استعملت هنا في العقوبة على طريقة : تحية بينهم ضرب وجيع في التهكم . ونصبها على التمييز من ( بشرّ ) وقوله تعالى : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ بدل من