محمد جمال الدين القاسمي
18
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
صلى اللّه عليه وسلم . فقال : كلوا رزقا أخرج اللّه لكم . أطعمونا منه إن كان معكم . فأتاه بعضهم بشيء . وفي البخاري « 1 » عن عمر في قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [ المائدة : 96 ] . قال : صيده ما اصطيد . وطعامه ما رمي به . وفيه عن ابن عباس قال : طعامه ميتته . قال ابن كثير : روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة وهو صديّ بن عجلان قال : بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى اللّه ورسوله ، وأعرض عليهم شرائع الإسلام ، فأتيتهم . فبينما نحن كذلك ، إذ جاءوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها . فقالوا : هلم ، يا صديّ ! فكل . قال ، قلت : ويحكم ، إنما أتيتكم من عند من يحرّم هذا عليكم ، فأقبلوا عليه ، قالوا : وما ذاك ؟ فتلوت عليهم هذه الآية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ . . . الآية . ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه . وزاد بعد هذا السياق قال : فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون علي . فقلت : ويحكم ! اسقوني شربة من ماء فإني شديد العطش . قال ، وعليّ عباءتي . فقالوا : لا . ولكن ندعك حتى تموت عطشا . قال : فاغتممت وضربت برأسي في العباء . ونمت على الرمضاء في حرّ شديد . قال ، فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج . لم ير الناس أحسن منه . وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه . فأمكنني منه فشربته . فلما فرغت من شرابي استيقظت ، فلا ، واللّه ! ما عطشت ولا عربت ( عرب كفرح فسدت معدته . قاموس ) بعد تيك الشربة . ورواه الحاكم في مستدركه عن عليّ بن حماد ، عن أحمد بن حنبل بسنده إلى أبي أمامة . وزاد بعد قوله ( بعد تيك الشربة ) : فسمعتهم يقولون : أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة ؟ فأتوني بمذقة فقلت : لا حاجة لي فيها . إن اللّه أطعمني وسقاني . وأريتهم بطني ، فأسلموا عن آخرهم . انتهى . قال الزمخشري : كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات : البهيمة التي تموت حتف أنفها . والفصيد ، وهو الدم في المباعر ، يشوونها ويقولون : لم يحرم من فزد له . وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ . . * [ البقرة : 173 ] الآية . قال المهايميّ : حرم الدم لأنه متعلق الروح بلا واسطة . فأشبه النجس بالذات ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الذبائح والصيد ، 12 - باب قول الله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ .