محمد جمال الدين القاسمي
142
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بحيث يخفيه لا محالة . ومعلوم أن حال الرشوة كذلك . فلذلك حرمت الرشوة على الحاكم عن أبي هريرة « 1 » : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي في الحكم . أخرجه الترمذيّ . وأخرجه أبو داود عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص . قال ابن مسعود : الرشوة في كل شيء . فمن شفع شفاعة ليردّ بها حقّا أو يدفع بها ظلما . فأهدي بها إليه ، فقبل ، فهو سحت . فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ! ما كنا نرى ذلك إلّا الأخذ على الحكم ؟ فقال : الأخذ على الحكم كفر ! قال اللّه تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ . فَإِنْ جاؤُكَ يعني اليهود لتحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ لأنهم اتخذوك حكما أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحقّ بل ما يوافق أهواءهم ، أي : فأنت بالخيار . وقد استدل بالآية من قال : إن الإمام مخيّر في الحكم بين أهل الذمة أو الإعراض عنهم . وعن بعض السلف : إنّ التخيير المذكور نسخ بقوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ . والتحقيق أنها محكمة ، والتخيير باق . وهو مرويّ عن الحسن والشعبيّ والنخعيّ والزهريّ ، وبه قال أحمد . لأنه لا منافاة بين الآيتين . فإن قوله تعالى : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فيه التخيير . وقوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فيه كيفية الحكم ، إذا حكم بينهم وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي : فلن يقدروا على الإضرار بك ، لأن اللّه تعالى عاصمك من الناس وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ، أي : بالعدل الذي أمرت به ، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي : العادلين فيما ولوا وحكموا . روى مسلم « 2 » عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ المقسطين عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن . وكلتا يديه يمين . الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 43 ] وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 )
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : الأحكام ، 9 - باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الإمارة ، حديث 18 .