محمد جمال الدين القاسمي

143

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه . مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذين يدّعون الإيمان به . قال بعضهم : معنى فِيها حُكْمُ اللَّهِ أي : في المسألة التي تحاكموا فيها إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وهو حكم اللّه بحسب اعتقادهم أو بحسب الحقيقة . قال : ووجود هذا الحكم الخاص فيها ، لا ينافي القول بوجود أشياء أخرى كثيرة فيها محرفة . وسمّاها التوراة : إما باعتبار عرفهم . أو باعتبار أصلها ، أو لاشتمالها على أشياء كثيرة من التوراة الحقيقية . ولولا ذلك ما صحّ أن تسمى بذلك ، كالإنجيل ، مع اعتقاد تحريفها وتبديلها وعدم صحة كثير من أجزائها وكتبها . . . ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي : من بعد البيان في التوراة ، وحكمك الموافق لما في كتابهم وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي : بالتوراة كما يزعمون . قال الحاكم : وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز طلب الرخصة بترك ما يعتقده حقّا إلى ما يعتقده غير حقّ . وقوله تعالى ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يدلّ على أن التولّي عن حكم اللّه يخرجه عن الإيمان . قال بعض الزيدية : إذا كره حكم الشرع وطلب حكم المنع ، هل ذلك يخرجه عن حكم الإيمان ؟ وهذا ينبغي أن يفصل فيه ، فيقال : إن اعتقد صحته ، أو رأى له مزية أو تعظيما . أو استهان بحكم الإسلام ، فلا إشكال في كفره . وإن لم يحصل ذلك منه ، بل اعتقد أنه باطل خسيس ، وأنه يعظّم شرع الإسلام ، ولكن يميل إلى هوى نفسه ، فهذا لا يكفر على الظاهر . إذ الكفر يحتاج إلى دليل قاطع . وفي كلام الحاكم ما تقدم : أنه يخرجه عن الإيمان . فإن أوهم أنه حق أو أنه أصلح من شرع الإسلام ، فهذا محتمل للكفر . لأنه كفر إبليس اللعين ، بكونه اعتقد أن أمر الله تعالى له بالسجود لآدم ، غير صلاح . لكونه خلقه من طين ، وإبليس من النار . انتهى . ثم أشار تعالى إلى حالة اليهود الذين كانوا لا يبالون بالتوراة ويحرّفونها ، ويقتلون النبيين ، بأنهم خالفوا ما أمرهم اللّه في شأنها من الهداية بها وصونها عن التحريف ، فقال :