محمد جمال الدين القاسمي

134

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار ، لئلا يجنى عليها . وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال ، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ، ولهذا قال : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي : مجازاة على صنيعهما السيّئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم ، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك . كذا في تفسير ابن كثير . قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سرّه في كتابه ( السياسة الشرعية ) : وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع . قال اللّه تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الآية . ولا يجوز ، بعد ثبوت الحدّ عليه بالبينة أو الإقرار ، تأخيره . لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره . بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها . فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل اللّه . وينبغي أن يعرف أن إقامة الحدّ رحمة من اللّه بعباده . فيكون الوالي شديدا في إقامة الحدّ ، لا تأخذه رأفة في دين اللّه فيعطله ، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات ، لا إشفاء غيظه وإرادة العلوّ على الخلق . بل بمنزلة الوالد إذا أدب ولده . فإنه لو كف عن تأديب ولده ، كما تستر به الأم رقة ورأفة ، لفسد الولد . وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحا بحاله . مع أنه يودّ ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب . وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه . وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك . بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه ، وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة . فكذلك شرعت الحدود . وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها ، فإن من كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات ، بجلب المنفعة لهم ورفع المضرة عنهم وابتغائه بذلك وجه اللّه تعالى وطاعة أمره - ألان اللّه له القلوب وتيسرت له أسباب الخير . وكفاه العقوبة اليسيرة . وقد يرضى المحدود إذا قام عليه الحدّ . وأما إذا كان غرضه العلوّ عليهم وإقامة بأسه ليعطوه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال - انعكس عليه مقصوده . ويروى أن عمر بن عبد العزيز ، رحمه اللّه ، قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد ابن عبد الملك على مدينة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان قد ساسهم سياسة صالحة ، فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب ، فسأل أهل المدينة عن عمر : كيف هيبته فيكم ؟ قالوا : ما نستطيع أن ننظر إليه هيبة له ! قال : كيف محبتكم له ؟ قالوا : هو أحب إلينا من أهلنا ! قال : فكيف أدبه ؟ قالوا : ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة . . . قال : هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه ! هذا أمر من السماء .