محمد جمال الدين القاسمي

135

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وإذا قطعت يده حسمت ، ويستحب أن تعلق في عنقه . فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى . فإن سرق ثالثا أو رابعا ، ففيه قولان للصحابة ومن بعده من العلماء : ( أحدهما ) تقطع أربعته في الثالثة والرابعة ، وهو قول أبي بكر ، وهو مذهب الشافعي رضي اللّه عنه ، والكوفيين وأحمد في إحدى الروايتين . و ( الثاني ) : أنه يحبس . وهو قول علي رضي اللّه عنه والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى . وتتمة مباحث السرقة مقررة في كتب السنة . الرابعة - قرأ الجمهور برفع ( السارق والسارقة ) على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره : وفيما يتلى عليكم - أو وفيما فرض عليكم - السارق والسارقة ، أي : حكمها ، أو الخبر قوله تعالى : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط . إذ المعنى : الذي سرق والتي سرقت . وقرأ عيسى بن عمر بالنصب ، وفضلها سيبويه على قراءة الرفع ، لأن الإنشاء لا يقع خبرا إلّا بتأويل وإضمار ، كذا اشتهر عن سيبويه . قال الناصر في ( الانتصاف ) : المستقرأ من وجوه القراءات أن العامة لا تتفق فيها أبدا على العدول عن الأفصح . وجدير بالقرآن أن يجري على أفصح الوجوه ، وأن لا يخلو من الأفصح ، وما يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها . وسيبويه يحاشي من اعتقاد عراء القرآن عن الأفصح واشتماله على الشاذ الذي لا يعد من القرآن . ونحن نورد الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل . قال سيبويه في ترجمة ( باب الأمر والنهي ) بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب : وملخصها أنّه متى بني الاسم على فعل الأمر ، فذاك موضع اختيار النصب . ثم قال كالموضّح لامتياز هذه الآية عما اختار فيها النصب : وأما قوله عز وجل : السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا الآية ، وقوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [ النور : 2 ] . فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ * [ محمد صلى اللّه عليه وسلم : 15 ] . ثم قال بعد : فيها كذا وكذا . يريد سيبويه تمييز هذه الآي عن المواضع التي بين اختيار النصب فيها . ووجه التمييز بأن الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم فيه مبنيا على الفعل . وأما في هذه الآي فليس بمبنيّ عليه . فلا يلزم فيه اختيار النصب . عاد كلامه قال : وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكر بعده . فذكر أخبارا وقصصا . فكأنه قال : ومن القصص : مثل الجنة . فهو محمول على هذا الإضمار . واللّه