محمد جمال الدين القاسمي

119

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، في الآية « 1 » : من شهر السلاح في قبة الإسلام ، وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله . وكذا قال سعيد بن المسيّب « 2 » ومجاهد « 3 » وعطاء « 4 » والحسن البصري « 5 » وإبراهيم النخعي « 6 » والضحاك . كما رواه ابن جرير ، وحكي مثله عن أنس . قال ابن كثير : ومستند هذا القول ظاهر . وللتخيير نظائر من القرآن . كقوله في جزاء الصيد : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً [ المائدة : 95 ] ، وقوله في كفارة الترفه : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ البقرة : 196 ] . وقوله في كفارة اليمين : إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ المائدة : 89 ] ، هذه كلها على التخيير ، فكذلك فلتكن هذه الآية . وقال الجمهور : هذه الآية منزلة على أحوال . أخرج الشافعيّ عن إبراهيم بن أبي يحيي ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، في قطّاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا . وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا ، قطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض . وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان ، عن حجاج ، عن عطية عن ابن عباس بنحوه ، وعن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعيّ والحسن وقتادة والسدّيّ وعطاء الخراساني نحو ذلك . وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة انتهى . وفي ( النهاية ) من فقه الزيدية : يرجع في المحارب إلى رأي الإمام ، فإن كان له رأي قتله أو صلبه - لأن القطع لا يدفع المضرة - وإن كان لا رأي له لكنه ذو قوة قطعه من خلاف ، وإن عدم القوة والرأي ضرب ونفي ؛ وهذا معنى التخيير بين هذه الأمور ، أنه يرجع إلى اجتهاد الإمام ، على ما ذكر . انتهى .

--> ( 1 ) الأثر رقم 11850 من تفسير ابن جرير . ( 2 ) الأثر رقم 11851 من التفسير . ( 3 ) الأثر رقم 11844 من التفسير . ( 4 ) الأثر رقم 11848 و 11849 من التفسير . ( 5 ) الأثر رقم 11846 و 11847 و 11852 و 11853 من التفسير . ( 6 ) الأثر رقم 11845 من التفسير .