محمد جمال الدين القاسمي

120

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية فصلا مهمّا في المحاربين في كتابه ( السياسة الشرعية ) وقد مثّلهم بقطّاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة ، من الأعراب أو التركمان أو الأكراد أو الفلاحين ، أو فسقة الجند أو مردة الحاضرة أو غيرهم . ثم ساق رواية الشافعيّ المتقدمة عن ابن عباس وقال : هذا قول كثير من أهل العلم - كالشافعي وأحمد رضي اللّه عنهما - وهو قريب من قول أبي حنيفة - رحمه اللّه - ومنهم من قال : للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة فيهم وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيهم . ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن كان لم يأخذ المال . مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال . كما أنّ منهم من يرى أنه إذا يرى أنه إذا أخذوا المال قتّلوا وقطّعوا وصلّبوا . والأول قول الأكثر . فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدّا لا يجوز العفو عنه بحال ، بإجماع العلماء . ذكره ابن المنذر . ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول . بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما ، أو لخصومة ، أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة . فإن هذا دمه لأولياء المقتول . إن أحبوا قتلوا . وإن أحبوا عفوا . وإن أحبو أخذوا الدية لأنه قتله لغرض خاص . وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس ، فضررهم عام بمنزلة السّرّاق . فكان قتلهم حدّ اللّه . وهذا متفق عليه بين الفقهاء . حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل . مثل أن يكون القاتل حرّا والمقتول عبدا ، أو القاتل مسلما والمقتول ذمّيّا أو مستأمنا . فقد اختلف الفقهاء : هل يقتل في المحاربة ؟ والأقوى أنه يقتل للفساد العام حدّا ، كما يقطع إذا أخذ أموالهم . وكما يحبس بحقوقهم . وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة ، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له ، فقد قيل : إنه يقتل المباشر فقط . والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة . والردء والمباشر سواء . وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين . فإن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - قتل ربيئة المحاربين . والربيئة هو الناظور الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء . ولأن المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته . والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض ، حتى صاروا ممتنعين ، فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين . فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « 1 » : « المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الفرائض ، 21 - باب إثم من تبرأ من مواليه ، حديث 95 ونصه : قال عليّ رضي الله عنه : ما عندنا كتاب نقرؤه ، إلا كتاب الله ، غير هذه الصحيفة قال ، فأخرجها فإذا فيها