محمد جمال الدين القاسمي
112
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الثاني : في الآية دلالة على أن الندم ، إذا لم يكن لقبح المعصية ، لم يكن توبة . قال الرازيّ : ندم على قساوة قلبه وكونه دون الغراب في الرحمة . فكان ندمه لذلك ، لا لأجل الخوف من اللّه تعالى ، فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم . الثالث : الآية أصل في دفن الميت . الرابع : قال ابن جرير « 1 » زعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل ، قال له اللّه : يا قابيل ! أين أخوك هابيل ؟ قال : ما أدري . ما كنت عليه رقيبا . فقال اللّه : إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض ، الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فبلغت دم أخيك من يدك . فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها ، حتى تكون فزعا تائها في الأرض . انتهى . الخامس : روى ابن جرير « 2 » بسنده عن عليّ بن أبي طالب قال : لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم فقال : تغيّرت البلاد ومن عليها * فلون الأرض مغبّر قبيح تغيّر كل ذي لون وطعم * وقلّ بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم عليه الصلاة والسلام : أبا هابيل ! قد قتلا جميعا * وصار الحيّ كالميت الذّبيح وجاء بشرّة قد كان منها * على خوف ، فجاء بها يصيح أقول : قد اشتهر البيتان الأولان . وقد فنّد نسبتهما إلى آدم غير واحد . قال الزمخشريّ : روي أن آدم رثاه بشعر . وهو كذب بحت . وما الشعر إلا منحول ملحون . وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر . انتهى . قال الشرّاح : ( المليح ) في النظم المذكور ، إن رفع فخطأ . لأنه صفة الوجه المجرور ، وإن خفض فإقواء وهو عيب قبيح ، وإن كثر . وقول من قال ( الوجه فاعل قلّ . وبشاشة منصوب على التمييز بحذف التنوين ، إجراء للوصل مجرى الوقف ) ألحن ، وقيل : إن آدم عليه الصلاة والسلام رثاه بكلام منثور بالسريانيّ . فلم يزل ينقل إلى أن وصل إلى يعرب بن قحطان - وهو أول من خطّ بالعربية - فقدم وأخّر وجعله شعرا عربيا . انتهى .
--> ( 1 ) الأثر رقم 11765 من التفسير . ( 2 ) الأثر رقم 11721 من التفسير .