محمد جمال الدين القاسمي

113

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الخفاجي . لا شك أن لوائح الوضع عليه رائحة لركاكته ، لكن ما استصعبوه من الإقواء ، وترك التنوين ، ليس بصعب ، لما في أشعار الجاهلية والشعراء من أمثاله . مع أنه قد يخرج بأنه نعت جرى على المحل . لأن الوجه فاعل المصدر ، وهو بشاشة . السادس : حكمة تخصيص الغراب كون دأبه المواراة . قال أبو مسلم : عادة الغراب دفن الأشياء . فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه . انتهى . والغراب هو الطائر الأسود المعروف . وقسموه إلى أنواع . وفي الحديث : أنه صلى اللّه عليه وسلم غيّر اسم غراب لما فيه من البعد . ولأنه من أخبث الطيور . والعرب تقول : أبصر من غراب ، وأحذر من غراب ، وأزهى من غراب ، وأصفى عيشا من غراب ، وأشد سوادا من غراب ، وهذا بأبيه أشبه من الغراب بالغراب . وإذا نعتوا أرضا بالخصب قالوا : وقع في أرض لا يطير غرابها . ويقولون وجد تمرة الغراب ، وذلك أنه يتبع أجود التمر فينتقيه . ويقولون : أشأم من غراب وأفسق من غراب . ويقولون : طار غراب فلان ، إذا شاب رأسه . وغراب غارب على المبالغة . كما قالوا : شعر شاعر ، وموت مائت . قال رؤية : فازجر من الطير الغراب الغاربا قالوا : وليس شيء في الأرض يتشاءم به إلّا والغراب أشأم منه . وللبديع الهمذانيّ فصل بديع في وصفه . ذكره في ( المضاف والمنسوب ) وأورد ما يضاف إليه الغراب ويضاف إلى الغراب . والأبيات في غراب البين كثيرة ، ملئت بها الدفاتر . وحقق الإمام أبو عبد اللّه الشريف الغرناطيّ - قاضي غرناطة - في شرحه على ( مقصورة حازم ) أن غراب البين في الحقيقة هو الإبل التي تنقلهم من بلاد إلى بلاد . وأنشد في ذلك مقاطيع . منها : غلط الذين رأيتهم بجهالة * يلحون كلّهم غرابا ينعق ما الذنب إلا للأباعر إنها * مما يشتّت جمعهم ويفرّق إن الغراب بيمنه تدنو النوى * وتشتت الشمل الجميع الأينق وأنشد ابن المسناويّ لابن عبد ربّه : زعق الغراب فقلت : أكذب طائر * إن لم يصدقه رغاء بعير