محمد جمال الدين القاسمي
108
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الْآخَرِ وهو قابيل قالَ قابيل لهابيل لَأَقْتُلَنَّكَ على قبول قربانك قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي : إنما أتيت من قبل نفسك ، لانسلاخها من لباس التقوى . لا من قبلي . فلم تقتلني ؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى اللّه التي هي السبب في القبول ؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان ؛ وفيه دليل على أن اللّه تعالى لا يقبل طاعة إلّا من مؤمن متّق ، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم ! وعن عامر بن عبد اللّه : أنه بكى حين حضرته الوفاة : فقيل له : ما يبكيك فقد كنت وكنت ؟ قال : إني أسمع اللّه يقول : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . كذا في ( الكشاف ) . وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال : يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد : أين المتقون ؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر . قلت : من المتقون ؟ قال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة . فيمرون إلى الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 28 ] لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) لَئِنْ بَسَطْتَ أي : مددت إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي أي : ظلما ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ أي : دفعا إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي : من أن أصنع كما تريد أن تصنع . و في ( الصحيحين ) « 1 » : عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قالوا : يا رسول اللّه ! هذا القاتل . فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 22 - باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك ، حديث 29 ونصه : عن الأحنف بن قيس قال : ذهبت لأنصر هذا الرجل ، فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل . قال : ارجع فإني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول « إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار » فقلت : يا رسول الله ! هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال « إنه كان حريصا على قتل صاحبه » . وأخرجه مسلم في : الفتن وأشراط الساعة ، حديث 14 و 15 .