محمد جمال الدين القاسمي

107

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

العصيان وقالوا له : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة : 24 ] وما ذلك إلّا لما آنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة ، كما تقتضيه الآية وما يؤثر في تفسيرها ، وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد ، وما رئموا من الذلّ للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة . مع أنهم لم يؤمنوا حقّ الإيمان بما أخبرهم به موسى ، من أن الشام لهم ، وأن العمالقة الذين كانوا بأريحاء فريستهم ، بحكم من اللّه قدّره لهم . فأقصروا عن ذلك وعجزوا ، تعويلا على ما علموا من أنفسهم من العجز عن المطالبة ، لما حصل لهم من خلق المذلة . وطعنوا فيما أخبرهم به نبيّهم من ذلك وما أمرهم به . فعاقبهم اللّه بالتيه . وهو أنّهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة . لم يأووا فيها لعمران ، ولا نزلوا مصرا ، ولا خالطوا بشرا ، كما قصّه القرآن ، لغلظة العمالقة بالشام والقبط بمصر عليهم ، لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه . ويظهر من مساق الآية ومفهومها : أن حكمة ذلك التيه مقصودة . وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلّقوا به . وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ، ولا يسام بالمذلة . فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ؛ ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقلّ ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر ، سبحان الحكيم العليم وفي هذا أوضح دليل على شأن العصبية . وأنّها هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة . وأنّ من فقدها عجز عن جميع ذلك كله . ثم بيّن تعالى وخيم عاقبة البغي والحسد ، في جزاء ابني آدم لصلبه . تعريضا باليهود . وأنهم إن أصروا على بغيهم وحسدهم فسيرجعون بالصفة الخاسرة في الدارين ، فقال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 27 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي : على هؤلاء البغاة الحسدة من اليهود وأشباههم نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ هابيل وقابيل ، ملتبسا بِالْحَقِّ أي : الصدق والصحة موافقا لما في كتبهم إِذْ قَرَّبا قُرْباناً أي : ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من نسيكة أو صدقة . وكان هابيل راعي غنم ، وقابيل يحرث الأرض . فقدّم هابيل شيئا من أبكار غنمه ومن سمانها . وقدّم قابيل شيئا رديئا من ثمر الأرض فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ