محمد جمال الدين القاسمي
106
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
واليلب . فتكلم أبو بكر - رضي اللّه عنه - فأحسن ، ثم تكلم ، من الصحابة ، من المهاجرين ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : أشيروا عليّ أيها المسلمون ! وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار . لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ . فقال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول اللّه ؟ فهو الذي بعثك بالحقّ ! لو استعرضت بنا هذا البحر ، فخضته ، لخضناه معك . ما تخلّف منّا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا . إنّا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء . لعل اللّه أن يريك منّا ما تقرّ به عينك . فسر بنا على بركة اللّه . فسرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول سعد ، ونشطه لذلك . وروى الإمام أحمد « 1 » عن عبد اللّه بن مسعود قال : لقد شهدت من المقداد مشهدا ، لأن أكون أنا صاحبه ، أحبّ إليّ مما عدل به . أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال : واللّه ! يا رسول اللّه ! لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ . ولكنا نقاتل عن يمينك ، وعن يسارك ، ومن بين يديك ، ومن خلفك . فرأيت وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشرق لذلك . وسرّه ذلك . وهكذا رواه البخاري « 2 » في ( المغازي ) . الخامس : استنبط العمرانيون من هذه الآية أنّ من عوائق الملك حصول المذلّة للقبيل ، والانقياد لسواهم . قال الحكيم ابن خلدون في ( مقدمة العبر ) في الفصل 19 تحت العنوان المذكور : إن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدّتها . فإنّ انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها ، فما رئموا ( ألفوا ) للمذلّة حتى عجزوا عن المدافعة ، ومن عجز عن المدافعة ، فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة ، واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام ، وأخبرهم أنّ اللّه قد كتب لهم ملكها ، كيف عجزوا عن ذلك ، قالوا : إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها [ المائدة : 22 ] . أي : يخرجهم اللّه منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا ، وتكون من معجزاتك يا موسى ، ولما عزم عليهم لجّوا وارتكبوا
--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 389 والحديث رقم 3698 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : المغازي ، 4 - باب قول الله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . . . الآيات [ الأنفال : 9 - 13 ] .