محمد جمال الدين القاسمي

105

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ [ الشعراء : 119 - 120 ] . وقال تعالى : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ] ، وإذا كان ابن نوح ، الكافر ، غرق ، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية ؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع . ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق ، نظر . واللّه أعلم . الرابع : قال ابن كثير : تضمنت هذه القصة تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم ومخالفتهم للّه ولرسوله ، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجادلتهم ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكليمه وصفيّه من خلقه في ذلك الزمان ، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم . هذا ، مع ما شاهدوا من فعل اللّه بعدوّهم ، فرعون ، من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليمّ وهم ينظرون ، لتقرّ به أعينهم ( وما بالعهد من قدم ) . ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم ، وظهرت قبائح صنيعهم للخاصّ والعام ، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل . وقال - رحمه اللّه - قبل ذلك : وما أحسن ما أجاب به الصحابة « 1 » - رضي اللّه عنهم - يوم بدر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان . فلما فات اقتناص العير ، واقترب منهم النفير ، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الجهاد ، حديث 83 ونصه : عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاور ، حين بلغه إقبال أبي سفيان . قال : فتكلم أبو بكر فأعرض عنه . ثم تكلم عمر فأعرض عنه . فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد ؟ يا رسول الله ! والذي نفسي بيده ! لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها . ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد ( موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل ) لفعلنا . قال ، فندب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الناس . فانطلقوا حتى نزلوا بدرا . ووردت عليهم روايا قريش ( أي إبلهم التي كانوا يستقون عليها . فهي الإبل الحوامل للماء . واحدتها راوية ) وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه . فكان أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه ؟ فيقول : ما لي علم بأبي سفيان . ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف . فإذا قال ذلك ضربوه . فقال : نعم . أنا أخبركم . هذا أبو سفيان . فإذا تركوه فسألوه فقال : ما لي بأبي سفيان علم . ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس . فإذا قال هذا أيضا ضربوه . ورسول الله صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلي . فلما رأى ذلك انصرف . قال « والذي نفسي بيده ! لتضربوه إذا صدقكم ، وتتركوه إذا كذبكم » . قال ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « هذا مصرع فلان » ويضع يده على الأرض ، هاهنا وهاهنا فما ماط ( أي تباعد ) أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم .