محمد جمال الدين القاسمي
100
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مذهب الفوضى في العقل والشريعة معا . وظهرت مذاهب الإباحيين والدهريين في شعوب متعددة ، وكان ذلك ويلا عليها ، فوق ما رزئت به من سائر الخطوب . وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات ، خاضعة للشهوات ، فخر كل قبيلة في قتال أختها . وسفك دماء أبطالها ، وسبي نسائها . وسلب أموالها . تسوقها المطامع ، إلى المعامع . ويزين لها السيئات ، فساد الاعتقادات . وقد بلغ العرب من سخافة العقل حدّا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها . فلما جاعوا أكلوها . وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن . أو تنصّلا من نفقات معيشتهنّ . وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد معه للعفاف قيمة . وبالجملة : فكانت ربط النظام الاجتماعيّ قد تراخت عقدها في كل أمة . وانفصمت عراها عند كل طائفة . أفلم يكن من رحمة اللّه بأولئك الأقوام أن يؤدبهم رجل منهم يوحي إليه رسالته ؟ ويمنحه عنايته ؟ ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم . التي أظلت رؤوس جميع الأمم ؟ نعم ، كان ذلك ، وله الأمر من قبل ومن بعد . انتهى . ثم أشار إلى تفريطهم في أمر اللّه الوارد على لسان موسى ، وتفريطهم في حقه مع حثّه إياهم على شكر اللّه . ليسارعوا إلى امتثال أمره ، فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 20 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي : التي هي فوق نعمه على من سواكم ، فلا تفرّطوا في أمره إذ لم يفرّط في حقكم إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ أي : وهم أكمل الخلائق ومكملوهم ، ولم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني : وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط مملوكين ، فأنقذكم اللّه . فسمى إنقاذهم ملكا وَآتاكُمْ أعطاكم ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من أنواع الإكرام التي خصكم بها - كفلق البحر لهم ، وإهلاك عدوّهم ، وتوريثهم أموالهم ، وإنزال المنّ والسلوى عليهم ، وإخراج المياه العذبة من الحجر ، وإظلال الغمام فوقهم . . . - فمقتضى هذه النعم المبادرة إلى امتثال أوامر المنعم ، شكرا له .