محمد جمال الدين القاسمي

86

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أن البيع يصح بذلك . وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها . ولم يرد في ذلك شيء . وقد قال اللّه تعالى : تِجارَةً عَنْ تَراضٍ . فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط . ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة ، بأي لفظ وقع ، وعلى أي صفة كان وبأي إشارة مفيدة ، حصل . انتهى . وقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فيه وجهان : الأول - أن المعنى لا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين . فإن كلهم كنفس واحدة . والتعبير عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم ، بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعله عاقل . والثاني - النهي عن قتل الإنسان نفسه . وقد احتج بهذه الآية عمرو بن العاص على مسألة التيمم للبرد . وأقره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على احتجاجه . كما رواه الإمام أحمد وأبو داود . ولفظ أحمد « 1 » عن عمرو بن العاص أنه قال : « لما بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام ذات السلاسل قال : احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد . فأشفقت ، إن اغتسلت ، أن أهلك . فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح . قال فلما قدمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكرت ذلك له . فقال : يا عمرو ! صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قال قلت : نعم يا رسول اللّه ! إني احتلمت في ليلة باردة ، شديدة البرد . فأشفقت ، إن اغتسلت ، أن أهلك . وذكرت قول اللّه عز وجل : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً . فتيممت ثم صليت . فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يقل شيئا » . وهكذا أورده أبو داود « 2 » . قال ابن كثير وهذا ، أي المعنى الثاني ، واللّه أعلم ، أشبه بالصواب . وقد توافرت الأخبار في النهي عن قتل الإنسان نفسه والوعيد عليه . روى الشيخان « 3 » وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا . ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا . ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا » .

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 4 / 203 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الطهارة ، 124 - باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم ؟ حديث 334 . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : الطب ، 56 - باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه ، حديث 721 . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 175 . ورد في البخاريّ : يجأ ، وفي مسلم : يتوجأ ( ومعناه يطعن ) .